اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

وصل الوضع السيىء في لبنان وتراكم الأزمات فيه الى ارتفاع نسبة الجرائم والجنايات في مختلف المناطق اللبنانية لا سيما السرقة والاعتداءات الجسدية والعنف، كما أدّى الواقع السياسي المأزوم في ظلّ الشغور الرئاسي، الى حدوث تفجيرات أمنية مثل تظاهرة الأشرفية في بيروت. ما ينذر بإمكان حصول توتّرات أمنية في مناطق عديدة في ظلّ الفوضى الاقتصادية والمالية والمعيشية التي تعيشها البلاد. ووسط هذا القلق الذي يعاني منه اللبناني، برزت الحاجة الى تأمين «الأمن الذاتي» في كلّ منطقة، أي أن يقوم شبّان منطقة معيّنة بحماية أبناء منطقتهم وسلامتهم وبيوتهم وممتلكاتهم من أي اعتداء خارجي قائم مع الأسف، على أساس طائفي، الأمر الذي يُذكّر بما كان عليه الوضع أيّام الحرب، ويطرح مجدّداً فكرة التقسيم الاجتماعي قبل السياسي.

وللحفاظ على «الأمن الذاتي»، ظهر في منطقة الأشرفية شبّان مستعدّون لحماية منطقتهم المسيحية تحت اسم «جنود الربّ»، وقد امتدّت أخيراً الى مناطق أخرى مثل برج حمّود، وجلّ الديب وزحلة. وتقول المعلومات انّ هذه الظاهرة التي برزت أخيراً قد وضعت ملفها على طاولة بكركي ليُصار الى دراسته، وهو مرشّح لطرحه على جدول أعمال مجلس المطارنة للتعمّق في بحثه. وذكرت أنّ بكركي تُقدّر حرص الناس على أملاكهم ومناطقهم ولكنها ترفض مبدأ الأمن الذاتي من منطلق أنها تناشد بقيام الدولة، مشيرة الى أنّ هذه الظاهرة إذا كانت لا تتعدّى القوانين والأصول والأعراف والقيم فسيكون مرحّبا بها، ولكن إذا كانت تتخطى ذلك فسيتمّ رفضها بشكل واضح. كما برزت في الوقت نفسه، مبادرة «عيون الاشرفية» بإشراف من النائب نديم الجميّل. فهل نعود الى «الأمن الذاتي» في ظلّ ما تشهده البلاد من سرقات واعتداءات، وتقاعس الدولة في إعادة الحقّ الى أصحابه، باستثناء تسجيل الشكاوى ورفع البصمات وتسجيل الجرم ضدّ مجهول أو مجهولين؟

تقول مصادر سياسية مطّلعة انّه في ظلّ الشغور الرئاسي الذي دخلت فيه البلاد منذ 31 تشرين الأول الفائت، وعدم جديّة النوّاب في موضوع الاستحقاق الرئاسي، إذ عُقدت عشر جلسات لانتخاب الرئيس من دون خروج الدخان الأبيض من البرلمان، وفي ظلّ تفاقم الوضع الاقتصادي والمالي والمعيشي و»طيران» سعر صرف الدولار الأميركي وبلوغه 46 ألف ل. ل. أو أكثر، مقابل انخفاض القدرة الشرائية لليرة اللبنانية الى أدنى مستوياتها، فإنّ ما حصل في الأشرفية، يشكّل نموذجاً صغيراً عمّا يمكن أن يحصل مستقبلاً.

فالجميع توقّع وصول البلاد الى التفلّت الأمني والى الفوضى الشاملة مع الانهيار الحاصل، على ما أضافت، وفي ظلّ عدم وجود قيادات سياسية تعمل فعلاً من أجل مصلحة لبنان إنّما من أجل مصالحها الخاصّة. ولهذا يصبح من حقّ شبّان كلّ منطقة الدفاع عن أمن منطقتهم وحماية أبنائها من الاعتداءات عليهم ومن سرقة منازلهم وممتلكاتهم، بعد أن حجزت المصارف كلّ مدخّراتهم وجنى عمرهم. وقد كثرت هذه الأخيرة لا سيما في منطقة الاشرفية، إذ لا يمرّ يوم إلّا ونسمع عن سرقة منزل هذا أو ذاك، أو «تشليح» هذه المرأة أو تلك من قبل مجهولين.

غير أنّ بروز ظاهرة «جنود الرب» أو «عيون الأشرفية»، تذكّر مع الأسف بأيّام الحرب اللبنانية، على ما أكدت المصادر نفسها، فإذا كان وجودها ضروري حالياً لردع بعض عصابات الشوارع التي أصبحت منظّمة وتقوم بأعمال السرقة والإعتداءات على المواطنين، غير أنّ وجودها يؤكّد على «عدم وجود الدولة». وهنا يُصبح الأمر خطراً، لا سيما إذا ما جرى الإعتراف بذلك، والأخطر إذا ما تسلّحت هذه المجموعات، وإذا ما أدّى تسلّحها هذا لاحقاً الى قيامها بمواجهات أو اشتباكات مسلّحة فيما بينها وبين أحزاب سياسية أخرى.

وترى أنّ العودة الى حرب الشوارع، على أساس طائفي ومذهبي، على ما جرى خلال الحرب اللبنانية، ليس أمراً سليماً كونه يستدعي في حال حصوله ما يطالب به البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي أي «تدوبل» الأزمة اللبنانية. ولهذا المطلوب من القوى الأمنية اللبنانية العمل على محاسبة مرتكبي التعديات والسرقات وعدم التهاون معهم، لكي يستعيد المواطن الثقة بدولته، وإن لم يكن هناك رئيس للجمهورية في المرحلة الراهنة.

أمّا توسّع ظاهرات من هذا النوع، وإمكان تمويلها وتسليحها من الخارج فهو أمر لا يمكن الإستخفاف به، على ما أشارت المصادر عينها، خصوصاً إذا ما قرّرت دول الخارج إعادة استخدام لبنان ساحة للصراع. فلا يعود الأمر عندئذ يقتصر على حماية أو حراسة ليلية للمناطق المسيحية من السرقات والإعتداءات، بل قد يتخطّاها الى مواجهات عسكرية، على غرار الميليشيات أيام الحرب. وهذا ما لا يريد أي لبناني أن يراه يعيد نفسه رغم كلّ المعاناة التي يعيشها في المرحلة الراهنة. 

الأكثر قراءة

حزب الله" كقوة سياسية ضاربة