اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

تعتبر الأزمة الاقتصادية في لبنان مشكلة معقدة ومتعددة الأوجه، تفاقمت بفعل مجموعة من العوامل الداخلية والخارجية، ويمكن إرجاعها إلى عقود من سوء الإدارة والفساد والاعتماد المفرط على القطاع المصرفي.

القضايا الرئيسية المساهمة في واقع الأزمة الاقتصادية

تضافرت عدة عوامل لخلق أزمة اقتصادية حادة في لبنان، كان لها تأثير مدمر على حياة المواطنين، إذ فقد الكثير من الناس وظائفهم، في حين أن أولئك الذين ما زالوا يعملون شهدوا قوتهم الشرائية تتآكل بسبب ارتفاع الأسعار وانخفاض قيمة الليرة. كما أدت الأزمة إلى نقص في السلع الأساسية، بما في ذلك الإمدادات الغذائية والطبية، وضغطت على أنظمة الرعاية الصحية والقطاع التعليمي.

وقد تربّع لبنان على عرش أعلى مستويات الدين العام في العالم، حيث تجاوزت نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي 150 ٪ مما جعل من الصعب على الحكومة اقتراض المزيد من الأموال لتمويل عملياتها وخدمة ديونها الحالية.

كما انّ ضعف النمو الاقتصادي في لبنان ساهم بشكل أساسي في الأزمة الاقتصادية الحالية على مدى السنوات العديدة الماضية، بحيث كانت معدلات نمو الناتج المحلي الإجمالي في لبنان أقل من 1٪ سنويًا مما جعل هذا النقص في النمو من الصعب على الحكومة توليد الإيرادات التي تحتاجها لتمويل الخدمات العامة والاستثمار في البنية التحتية.

وبدوره أدى الصراع الطائفي والسياسي دوره في عملية تباطؤ حركة تنفيذ الإصلاحات الضرورية أو اتخاذ قرارات صعبة لدى الحكومة التي لها تاريخ هش من سوء إدارة المالية العامة أيضا وعدم تحصيل إيرادات كافية لتمويل عملياتها.

وقد ساهم استنزاف احتياطيات العملات الأجنبية نتيجة امتلاك مصرف لبنان كمية محدودة من احتياطيات العملات الأجنبية، يستخدمها لدعم قيمة العملة الوطنية، في انخفاض قيمة الليرة.

استمرار التلاعب في سعر صرف الدولار

واجه لبنان تحديات اقتصادية في السنوات الأخيرة، بما في ذلك انخفاض قيمة عملته، مقابل الدولار الأميركي حيث وردت تقارير عن أفراد ومنظمات يحاولون التلاعب بسعر صرف الدولار في السوق، في كثير من الأحيان بوسائل غير قانونية.

إذ أنّ إحدى الطرق التي تم من خلالها التلاعب بسعر صرف الدولار في لبنان كانت من خلال استخدام تجار الصرافة في "السوق الموازية"، فعمد الأفراد والمنظمات خارج النظام المالي الرسمي الى شراء أو بيع الدولار بأسعار تختلف عن سعر الصرف الرسمي الذي يحدده البنك المركزي من خلال تقديم أسعار أعلى للدولار، حيث تمكن التجار في السوق الموازية من جذب الأشخاص الذين يرغبون في بيع دولاراتهم ، مما أدّى إلى ارتفاع الطلب على العملة وانخفاض قيمة الليرة اللبنانية.

كما تزعم بعض الشركات المالية والصيرفة ان "وجهة" عملها هي تجارية مشروعة، ولكنها تستخدم في الواقع لغسل الأموال والتلاعب بسعر الصرف وقد يشترون الدولارات من الأفراد أو المنظمات بسعر الصرف الرسمي ثم يبيعونها في السوق الموازية بسعر أعلى، ويحصلون على الفرق.

مصير الرواتب والأجور.. "وما يعطى بيد يؤخذ بيد أخرى"

وفي حديث لموقع "الديار" حول مصير الرواتب والأجور أفاد رئيس الاتحاد العمالي العام بشارة الأسمر بأن مسار ملف زيادة الرواتب والاجور للقطاع الخاص في طريقه الى الحل والامور سالكة بالاتجاه الصحيح كاشفا عن اتفاق جرى بين الاتحاد وبين الهيئات الاقتصادية لرفع الأجور ضمن سلة متكاملة، بحيث سيرفع الحد الأدنى للأجور في القطاع الخاص إلى 4500000 ليرة، وبدل النقل إلى 125000 ليرة يوميا، كما ستضاعف التعويضات العائلية والمنح المدرسية 3 مرات، والسعي بأقصى سرعة لتحويل تعويض نهاية الخدمة إلى معاش تقاعدي.

وعن قراره في استمرار المطالبة برفع الحد الأدنى للاجور في ظل ارتفاع سعر صرف الدولار أكد الأسمر استمراره في المطالبة برفع الحد الأدنى للأجور والنقل وكلّ متممات الراتب، بما فيه التعويضات العائلية والمنح المدرسية.

من جهة ثانية أشار الاسمر الى أن المبلغ الذي طرحه سابقا 20 مليون ليرة كحدّ أدنى للأجور، هو نتاج دراسة مشتركة بين الإتحاد العمالي العام وشركة «الدولية للمعلومات» وفق دولار 36 ألف ليرة، فيما اليوم يجب أن يكون بحدود 30 مليون ليرة.

مطالبا باعتماد سياسة الحوار في هذه المرحلة الصعبة بطريقة "الأخذ والطلب" و"فن الممكن" للحفاظ على المؤسسات الصغيرة والمتوسطة الحجم ومراعاة ظروفها من الاقفال والافلاس قائلا: "ما يعطى بيد .. يؤخذ بيد أخرى".

وقال الأسمر: ما نفعله هو إضاءة شمعة في النفق المظلم أمام الغلاء الفاحش وإنّ كل علاج خارج إطار استقرار سعر صرف الدولار هو أشبه بعلاجات آنية ومرحلية لا تؤدي الى نتيجة.

دولرة الإقتصاد اللبناني بين صندوق النقد والبنك الدولي

إن دولرة الاقتصاد في لبنان ظاهرة حدثت على مدى عدة سنوات وتأثرت بمجموعة من العوامل، فكان صندوق النقد الدولي والبنك الدولي أحد الدوافع الرئيسية وراء الدولرة، اللذان قدما مساعدات مالية للبنان في شكل قروض وحزم مساعدات، مما شجع صندوق النقد الدولي والبنك الدولي الدولرة في لبنان كوسيلة لتحقيق الاستقرار في اقتصاد البلاد وتقليل اعتماده على الليرة اللبنانية. ولقد جادلوا بأن استخدام الدولار الأميركي كوسيلة للتبادل يمكن أن يساعد في تحسين كفاءة النظام المالي وزيادة ثقة المستثمرين.

ومع ذلك، فإن اعتماد الدولار كعملة أساسية لم يخل من التحديات بل واجه صندوق النقد الدولي والبنك الدولي انتقادات لفرضهما ظروف اقتصادية قاسية على لبنان مقابل مساعدتهما المالية، بما في ذلك خفض الإنفاق العام وخصخصة الشركات المملوكة للدولة.

وعلى الرغم من هذه التحديات، واصل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي دعم دولرة الاقتصاد في لبنان، بحجة أن ذلك ضروري لاستقرار البلاد على المدى الطويل، في حين أن التأثير الحقيقي للدولرة لم يتضح.

القدرة الشرائية فاقت %25

وضمن هذا الإطار أكّد الخبير الإقتصادي أكد الخبير الاقتصادي الدكتور محمود جباعي في حديث لـ "موقع الديار" أنّ الناتج المحلي اللبناني قبل الازمة اعتمد 80% على القطاع الخاص و20 % على القطاع العام ما يعني أن القطاع العام هو بحالة خسارة والقطاع الخاص هو المحرّك للناتج المحلي.

واشار جباعي الى ان هناك حركة نمو اقتصادي بفضل الاقتصاد النقدي المبني على تحويلات المغتربين من الخارج التي تبلغ قيمتها بين ٦ و٧ مليار دولار، وعلى ما تعطيه بعض الجهات اللبنانية والأحزاب من رواتب بالدولار وايضاً مبني على وجود التعاميم ١٦١ الذي يؤمن الدولار للمودعين والموظفين، وهذا حسّن من القدرة الشرائية لتلك الفئات بنسبة 25% تقريبا بالتالي هذا القطاع الاستثماري في البلد جعل الاقتصاد الخاص ينتعش فبالتالي تحقق النمو هذا العام بين 2% و 3% بالرغم من كل الازمة الموجودة.

واعتبر جباعي أنّ الاقتصاد النقدي في لبنان كبير وأنه القوة الدافعة للسوق توضّح أن الاقتصاد لا يزال بألف خير.

ورأى جباعي أن هذا النمو ان طال الامل فيه من دون تدخل الدولة بوضع خطة تعافي مالي واقتصادي حقيقي ومن دون موازنة عامة منطقية لا تستطيع ظبط الانفاق لتحسين الارادات بشكل حقيقي، يصبح من المستحيل إمكانية العودة للنمو الحقيقي.

واضاف انه يمكن الحفاظ على النمو عبر ثلاث شروط: تحقيق وفاق سياسي عبر انتخاب رئيس جمهورية وحكومة وأخذ رضى دولي وعربي واقليمي ومحلي.

وتابع جباعي: "الانطلاق بخطة تعافي مالي واقتصادي لتحسن الناتج المحلي من زراعة وصناعة واستثمار أموال البلد نحو الاقتصاد المنتج. اي بدل صرف 10 مليارات دولار على الاستيراد والاستهلاك يجب وضع خطة يتم توجيههم نحو الزراعة والصناعة واستثمار المشاريع ما يعزز النمو الاقتصادي بشكل حقيقي كما وان تسريع عملية التنقيب عن النفط يمكن ان يعالج كل مشاكل لبنان الاقتصادية والمالية والنقدية".

إن واقع الأزمة الاقتصادية في لبنان قاتم، ربما يستغرق الأمر وقتا وجهودا متواصلة لمعالجة الأسباب الجذرية وتحقيق الانتعاش. ومع ذلك هناك أمل في أنه من خلال القيادة الصحيحة والالتزام بالإصلاح، يمكن للبلد الخروج من هذه الأزمة وإعادة بناء اقتصاد أقوى وأكثر ازدهارا 

الأكثر قراءة

وثائقي فرنسي يحرج التحقيق اللبناني في تفجير المرفأ