اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب
الأدوات الخشبية من أثاث البيت المتحرك، كالكراسي والطاولات والخزائن، ورفوف الخشب و"الاباجور"، الى اللوازم الثابتة كالأبواب، أساس عمل النجّارين والمناجر، حيث تحتل هذه المهنة مركزا بارزا، وتعتبر من المهن الأساسية في المجتمع، وتصنّع اغلبية المفروشات المنزلية والمكتبية في الشركات المرموقة من الخشب.

والبعض يُدخله في صناعة خزائن المطابخ، من باب إضفاء لمسة مميزة وكديكور، لإعطاء نزعة من الفخامة الممزوجة ما بين الحداثة والتقاليد.

والخشب الذي يستعمل في مهنة النجارة متعدد كالسنديان، الموغانو، الأرز واللاميكا، الذي يعدّ أكثر الأنواع طلبا من الزبائن، ويوظف في صناعة الأبواب والمطابخ الجاهزة، الى جانب الشوح والسويدي.

لكل "ازمة" جانب من الإيجابية

شهد هذا القطاع ركودا وتراجعا، وحتى الكثير من المصانع أغلقت أبوابها بسبب الازمة الاقتصادية، ومن قبلها جائحة كورونا و"ثورة 17 تشرين"، الى جانب الوضع المستجد لجهة "دولرة" الأسعار، وتدني قيمة الرواتب والاجور، ما جعل الليرة اللبنانية في أدني مستوياتها.

يقول النجار عبد الله الحاج ( 44 عاما) لـ "الديار": " لم يكن اللبناني يصلّح اغراضه في حال أصابها الضرر والخراب او التلف، بل يعمد الى شراء جديد او يلجأ الى مبدأ المقايضة".

ويتطرق الى الاختلاف ما بين الصناعات الخشبية الجاهزة، وتلك التي تقوم على الخشب الطبيعي، والذي يحتاج الى عمل أكبر وسعره باهظ أكثر، ومن هنا "يشهد الطلب على خشب اللاميكا ارتفاعا ملحوظا من قبل الناس، كونه اقل تكلفة".

مهنة تربط الماضي

بالحاضر والمستقبل

ويصف عبد الله النجارة "بأنها جسر عبور للأجيال القادمة، كونها تعد من الحرف الشعبية والمهن العتيقة في لبنان، وهي من الاعمال التي تجسّد اصالة الآباء والاجداد. وفي الماضي كان هذا القطاع مقصدا للبنانيين والسائحين وحتى المغتربين، خاصة المناجر التي يتم فيها تصنيع الطاولات والخزائن والابواب والمناخل والطبليات". يردف: "اعمل في هذه المهنة منذ ستة عشر عاما، وهي من أجمل ما تعلمته في الحياة، كونها تتطلب حرفية وذوقا فريدا لجهة التصميم والتنفيذ والتركيب".

ويعود الى الفترة التي انعكست سلبا على هذا المجال، حيث تضاءل العمل وخفّ الاقبال والطلب بالقول: "بات المواطن يتجه الى الجاهز الذي يدخل لبنان عن طريق ماليزيا والصين وأوستراليا"، واشار الى "انه وعلى الرغم من الركود في السنوات الثلاث الأخيرة، فأنا لم اتوقف يوما عن العمل في هذه المصلحة التي علمتني الكثير من الأمور، مثل كيفية جذب الزبائن واقناعهم بالعمل النظيف والممتاز، وهذا ما جعلني استمر من خلال الثقة التي اكتسبتها".

تراجعت ... وانتعشت

في هذا السياق، يقول عبد الله، "بعد ان اضطررتُ لترك المهنة حوالى السنة بسبب خدمة العلم، عدّت لأجد ان البديل أغلق المصانع الكبيرة بشكل شبه كامل، غير ان البعض قاوم ليستمر، وعاد ليزدهر من جديد في هذه الأيام، خاصة بعد أعقاب "ثورة 17 تشرين" بأشهر قليلة، المصلحة استردت مكانتها، والطلب على ما يعرف بـ "التوصية" أصبح كثيفا". ويلفت الى "الفرق ما بين المستعمل وذاك الذي يتم بحسب الرغبة الذي هو أكثر مبيعا والاغلى سعرا، نظرا لجودته، وكونه قائما على تصميم خاص بحسب طلب الزبون".

صناعة الطبلية "شعبية"

ويقول عبد الله: "ان البحث عن صناعة الطبليات بات رائجٌ جدا ومنتشرٌ لدى العامة، وهو ما جعلني متحمساً للعمل ومندفعاً لاستغل الوقت لأعيد مصنعي الى الواجهة، ويتم انتاج الطبلية الخشبية بنوعيها التقليدي والاتوماتيكي. ففي الأولى يُقص الخشب بالمنشار او بمنشار زاوية ثم يتم ربطها ببعض بواسطة مسامير فولاذية، اما الطريقة الثانية فيتم تنفيذ المراحل التصنيعية من القص الى التركيب وتوصيلها ببعض من خلال المعدات المتقدمة، وتعد الطلبيات الخشبية الأكثر شعبية واستخداما وطلبا".

ولفت الى "ان من خصائصها انها لا تتسبب بأضرار ملوثة للبيئة كتلك البلاستيكية، كما يمكن الاستفادة منها لمرات عدة ، وفي حال تعرضت لأي ضرر او تلف يعاد تأهيلها من خلال تحويلها الى مسحوق لصناعة الورق، او البعض يستفيد منها لصناعة الكراسي والطاولات وتعاليق الثياب. ويحتاج هذا النوع الى إدراك رفيع وشغف وتصميم دقيق وابداع".

اللاميكا الأكثر طلبا!

ويتحدث عبد الله عن اللاميكا فيقول: " بدأ الناس المحافظة على الامتعة الموجودة لديهم، والسعي لاستكمال النقص من خلالنا، لذا الطلب على "اللاميكا" تضاعف حوالي الـ 300% منذ بداية دولرة الأسعار، كونه من نوع الاخشاب المفصّل والمدهون والجاهز، والاهم من كل ذلك انه الأقل سعرا، فقط يتم تغطية اطرافه في المصنع، ولا يعتبر على انه بديل خشب، لكنه كان مزدهرا في الماضي ولا زال كونه الارخص. والكثير من المصانع عادت لتدمجه في مصنوعاتها، والتركيز عليه سيسلك فصلا جديدا في هذه الحرفة مستقبلا، باعتباره الأكثر رواجا على الأرض".

واكد "ان عاملين بارزين رفعا مستوى هذه المهنة، هما التعامل بالدولار محل العملة الوطنية، ودولرة السلع في المعارض التي تعرض مصنوعات مستوردة جاهزة".

توفير فرص عمل جديدة

ويقول عبد الله: "يوجد توجّه كبير من اللبنانيين لإعادة هيكلة مطابخهم وغرف النوم والصالونات وغرف الجلوس، وهذه المصلحة شرّعت أبواب العمل لأصحاب مهن كثيرة منها التنجيد والدهان والتفصيل، الى جانب "التوك توك" الذي يستخدم في النقل والتوصيل".

ويردف: "في البترون يوجد ما يسمى بـ "المرشاق"، وهو كناية عن غرف خشبية توضع على البحر ويستخدم لأكثر من غرض، ويتطلب الكثير من الأدوات الخشبية لإعادة تجديده او صيانته من فترة الى أخرى، ويحتوي على المقاهي والمطاعم، ويوجد منه في الاسواق كما على المسابح، ويسمى "كاي"، وتخطيطه قائم على ديكور خشبي لجذب نظر المواطنين القادمين، بهدف التسلية او قضاء بعض الوقت برفقة اصحابهم، كما يعطي طابعا فخما ومريحا".

وبإيجابية يتحدث عبد الله عن هذه المهنة، ويصفها بأنها "مباركة ولن تتوقف او تندثر، الا انها قد تتراجع نتيجة الظروف. والناس لا زالت تقبل على المصنوعات والمنتوجات الخشبية، والبعض يدخله في صناعة القواعد الخشبية للتلفاز من باب الديكور في المنزل". واشار الى ان "هناك من كان عاطلا عن العمل وعاد من بوابة النجارة، وآخرين باعوا مصانعهم بكافة محتوياتها من معدات وآلات الى جانب صرف أكثر من 20 عاملا كانوا يعملون لدى كل مصنع، واستبدلوا الأخير بـ "الغاليري" لبيع الاثاث المستورد والجاهز من الصين وماليزيا، والذي لا يحتاج الى أكثر من عاملين او ثلاث".

واكد ان "الكثير من أصدقائي عادوا الى مصانعهم ومناجرهم بحماس، نتيجة انتعاش هذا القطاع، وهذا امر جيد كونهم وظّفوا الكثير من اليد العاملة التي بحاجة الى العمل في ظل البطالة الواقعة والازمة الاقتصادية". ولفت الى "انه قبل نحو السنتين شهدت اعمال النجارة انتعاشا كبيرا في كل من جونية وجبيل والبترون، ما نشّط هذا القطاع نتيجة ارتفاع الطلب، وشجع الكثير من المصانع لتعاود العمل، وهذا الامر طال طرابلس حيث ارتفعت الانتاجية وتفوقت على باقي المناطق المحيطة".


الأكثر قراءة

حلحلة في قضية رواتب القطاع العام