اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

قبل كل شيء يجب وضع المعركة في غزة في سياقها المنهجي الذي يتناسب مع رؤية المقاومة لما يجري الآن في القطاع لذا يجب أن نبدأ دائما قبل الحديث عن مسار المعركة من صورة الإنجاز الكبير الذي حققته المقاومة الفلسطينية "حماس" يوم السابع من تشرين الأول كنقطة ارتكاز لقراءة كل ما يجري هناك.

في يوم واحد وعملية واحدة استطاعت المقاومة الفلسطينية أن تُعيد بناء صورة الصراع مع العدو وبالتالي أي قراءة دون الانطلاق من ٧ تشرين ستكون مبتورة وستكون في السياق الذي يريده العدو وليس ما تريده المقاومة.

المقاومة التي قامت بعمل عسكري وأمني استثنائي وقامت بقلب معادلات الردع مع العدو في ما يتعلّق بالقتال الميداني وأفقدت العدو فكرة الإنذار المُبكر والقدرة الاستخبارية الفائقة وأسقطت فكرة "إسرائيل" القادرة التي تبدأ بالضربة الأولى، فكانت هي التي تلقّت الضربة الأولى وأكدت أن العقل الفلسطيني قادر على التخطيط والإدارة والإخفاء والتنفيذ وأثبتت أن المقاتل الفلسطيني قادر على الهجوم وليس فقط الدفاع وقادر على اكتساح الميدان بمساحة هائلة من خلف خطوط الإنذار التي بناها العدو وأعطت للعقل العسكري والسياسي في العالمين العربي والإسلامي نموذجاً تطبيقياً عملياً لفكرة أن المقاومة قادرة على الانتصار وأن "إسرائيل" هشّة وقابلة للهزيمة...

من هنا نأتي الى فعل العدو الذي قام بعمليْن حتى اللحظة، الأول: هو الإجرام المنظَّم والمبرمَج بحق المدنيين وتحديداً النساء والأطفال وفقاً لنظرية إسحاق رابين التي تقول: علينا أن نضرب بعنف وقسوة لكي نجعل كلفة التفكير بالحرب معنا قاسية جداً ولكي يحسب كل قائد عربي حساباً أنه إذا هاجم إسرائيل سيدفع كل هذه الأثمان( قتل وخراب ودمار..) وأنه سينتهي الى وضع سياسي أسوأ مما كان عليه قبل الحرب إذا فكّر بقتال إسرائيل، فالإسرائيلي يريد أن يُرسل رسالة لكل مقاوم، أنه صحيح أن طوفان الأقصى أصبح أمراً واقعاً لا نستطيع تغييره وصحيح أن هزائم "إسرائيل" باتت أمراً واقعاً أيضاً لا يُمكن تغييره لكن ما تستطيع أن تفعله "إسرائيل" هو أن تُدَفِّعكم كلفة كبيرة بحيث لا يجرؤ أحد على التفكير بالفعل الهجومي.

الرد على هذا المنطق كان بالتجربة، بحساب الأرقام، تدفع الشعوب العربية وتحديداً الشعب الفلسطيني الكلفة منذ أكثر من ٧٥ عاماً، لذا فإن الذين يُركِّزون اليوم على صورة المأساة الفلسطينية دون أن يلتفتوا الى الإقتدار والمواجهة والصمود هم يضعون أنفسهم بموقع المشارِك في الدم الفلسطيني.. فالفلسطيني الذي يُقدِّم كل هذه التضحيات لا يُريد من أحد بكاءً إنما ما يريده هو أن يبقى الإيمان بهذه القضية بأنها قابلة للحياة وهذا ما فعله هو وأكد محورية قضيته ومركزيتها وأعاد إحياءها من جديد.

المقاومة عندما أقدمت على هذا الفعل كانت تُجهِض بدمها مشروع التصفية النهائية للقضية الفلسطينية ونجحت في ذلك، فالقضية الآن لا يُمكن التعامل معها بالطريقة التي كانت قبل ٧ تشرين، فلا الأنظمة المُطبِّعة ولا المتواطئة ولا الأميركي ولا الأوروبي ولا الكيان نفسه قادر أن ينظر الى الفلسطيني  بالصورة نفسها...

فتضحيات المدنيين رغم ألمها والجراح التي ستتركها، إلا أنها ثبّتت مبدأ أن هذا العدو لا يفهم إلا بالقوة وإن استمرار القتال مع هذا العدو حتمي حتى يزول.

أما مَن يتحدّث عن أمة تريد أن تبقى على خارطة الجغرافيا أو في سياق التاريخ دون تضحيات لن تبقى لا في الجغرافيا ولا في التاريخ..

الثاني: العمل الميداني، حيث دخلت إسرائيل الى أماكن مفتوحة مع العلم أنه من الأساس لم تدَّعِ المقاومة يوماً أنها تُقاتل في الجغرافيا أو أنها تستطيع إيقاف العدو في الجغرافيا، لكنها ادعت أنها تستطيع أن تجعله يدفع أثماناً هائلة وأن الجندي الصهيوني لن يستطيع أن ينزل من دبابته وتطأ قدماه الأرض إلا ويدفع أكلافاً باهظة لا يمكنه تحمّلها.. فالمكان الذي يتحرّك فيه العدو، عليه أن يدفع الأثمان من جنوده وآلياته وإقتصاده وأمنه الداخلي وعلاقاته الدولية وصورته الدولية وحجم الدعم الدولي الذي بدأ يتفكّك ويضعف.. بالمقابل نرى المقاومة تسير في طريق الإنجاز.

فالمعركة جارية على هذين الخطين عند العدو كما عند المقاومة، فالثمن الذي يدفعه العدو كبير جداً وحجم الإنجاز الفلسطيني كبير جداً.

ولأن الحقيقة على هذا الشكل، فإن جزءاً أساسياً من أسلحة العدوان على الشعب الفلسطيني والقضية الفلسطينية هو الإعلام.. بمعنى أن بعض الإعلام يحاول أن يخلق حالة من الإحباط ولكن هذا الأمر لم ينجح به لأن بعد كل هذه المجازر أصبح الموجود في النفوس في العالمين العربي والإسلامي هو الغضب والرغبة في الإنتقام وليس الإحباط لأن الألم لو كان يؤدي الى الإحباط كان عمّ في لبنان منذ عام ٨٢ بعد أن ركّز الإعلام العربي على المجازر والدمار لكن النتيجة كانت أن الناس ازدادت إعتقاداً أن الحل بالمقاومة وليس بالإستسلام الذي يَعني القتل مرتين، مرة على يد الصهاينة ومرة بالتخلّي عنهم وبعدم الدفاع عن حقوقهم.

فأين حقوق هؤلاء الشهداء من المدنيين والأطفال؟ مَن يأخذ حقهم؟ أليس كل مَن يُفرِّط بحقهم هو شريك بقتلهم؟ أليس كل راضٍ وساكت ومحرِّض ومتدخِّل وداعم هو شريك بالدم الفلسطيني؟!

هنا يجب الإلتفات الى خبث الإعلام في تشويه الحقيقة، فالفلسطيني صحيح أنه مظلوم لكنه بنفس الوقت مقاتل، فلماذا يتم إظهار المجازر الإسرائيلية بالشعب الفلسطيني ولا يتم إظهار صورة الجندي الإسرائيلي الجبان إذا قارنا بينه وبين المقاتل الفلسطيني من كافة الجوانب نصل الى هذه النتيجة.

إذاً، في يوم واحد تم قلب الرأي العام العالمي وقيل للعالم كلّه أن هناك شعباً فلسطينياً لا يستطيع أحد أن يتخطاه، فالفلسطيني لم يكن في هذه المعركة مُحارِباً فقط في ميدان غزة إنما هو يُحارب أيضاً في الميدان الإفتراضي والإعلامي، هو مَن نقل تضحياته وإنجازاته، وأظهر صورة قضية لا يمكن إنهاؤها، وهنا الإنجاز الأكبر أي بتثبيت فكرة أن القضية الفلسطينية لا يُمكن تصفيتها

وأنها ستبقى حيّة الى أن تصل الى ما يريده الشعب الفلسطيني، العنوان الأكبر للمظلومية والمواجهة معاً..


الأكثر قراءة

لا سجادة حمراء... عين حمراء