اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

قرّرت دول مانحة رئيسية عدّة تعليق تمويلها لوكالة الأونروا خلال الفترة المقبلة، على وقع إتهامات "إسرائيلية" بتورط مزعوم لعدد من موظفيها في هجمات السابع من أكتوبر الماضي. غير أنّ هذا القرار يسيء الى الشعب الفلسطيني في غزّة أولاً، لا سيما وأنّ مساعدات الأونروا تُشكّل الأمل الأخير الذي يتمسّك به أكثر من 2.2 مليون شخص في القطاع، كونها المنظمة الإغاثية والإنسانية الأكبر العاملة فيه منذ بداية الحرب، كذلك في الضفّة الغربية حيث تصل المساعدات المالية للفلسطينيين أيضاً. وثانياً، يطال حياة اللاجئين الفلسطينيين في دول الجوار الثلاث، أي في لبنان وسوريا والأردن، خصوصاً وأنّهم يعتمدون على هذه المساعدات فيها ليتمكّنوا من الإستمرار في العيش.

أوساط ديبلوماسية مطّلعة رأت في مثل هذا القرار الذي يتزامن مع محاكمة "إسرائيل" في لاهاي بتهمة الإبادة الجماعية للشعب الفلسطيني في غزّة، ويُناقش مجلس الأمن الدولي غداً الأربعاء قرار محكمة العدل الدولية، لا سيما وأنّه يأتي من الدول المانحة الكبرى (أي الولايات المتحدة الأميركية، وبريطانيا وكندا وألمانيا وفرنسا وإيطاليا وسويسرا وفنلندا وأستراليا)، يُساهم في تجويع الشعب الفلسطيني أكثر فأكثر. فهو من جهة يُرغم الفلسطينيين على الهجرة من القطاع، وهو ليس تهجيراً قسرياً، بل أصبح تهجيراً مقصوداً تُنفّذه هذه الدول، بدلاً من زيادة المساعدات الإنسانية للشعب الفلسطيني على ما أقرّت محكمة لاهاي في قرارها الأولي المتعلّق بالتدابير المؤقتة المطلوبة من "الإسرائيليين". ومن جهة ثانية، يعمل على توطين اللاجئين الفلسطينيين الحاليين حيث هم في لبنان وسوريا والأردن، فضلاً عن إمكانية توطين مهجّرين جُدد.

وهذا القرار "المؤقّت"، على ما قيل، والخطير كونه لا أحد يعلم الى متى سيمتدّ، لم يتحرّك لبنان إزاءه بعد، باستثناء الموقف الذي صدر عن وزير الخارجية والمغتربين الدكتور عبد الله بوحبيب. فقد أعلن خلال اجتماعه بالسفيرة الأميركية لدى لبنان ليزا جونسون امس الإثنين أنّ "قطع المساعدات عن الأونروا هو خطأ تاريخي سيؤدي الى حرمان اللاجئين الفلسطينيين من أي أمل بحياة ومستقبل أفضل، وسيُشكّل تهديداً للأمن الإقليمي، ولأمن الدول المضيفة والدول المانحة على حدّ سواء". علماً بأنّ الدول المانحة تعلم بأنّ لبنان الذي يستضيف اللاجئين الفلسطينيين منذ العام 1948 أي منذ النكبة، لا قدرة له على مساعدة  الشعب اللبناني الذي يُعاني من الأزمة الإقتصادية والمالية، ما يعني أنّه لن يستطيع تقديم أي عون للفلسطينيين المقيمين على أراضيه.

وفي انتظار صدور موقف رسمي عن لبنان يحتجّ فيه على هذا القرار، الذي رفضه اللاجئون الفلسطينيون في لبنان ودول الجوار، تجد الأوساط نفسها فيه، أنّه خطوة واضحة وفاضحة تهدف لمساندة "إسرائيل" في حربها غلى الفسطينيين في غزّة. فهو لم يُتخذ بسبب اتهام الموظفين "الإسرائيليين" العاملين في الوكالة بعدم الحياد، إذ يُمكن التحقيق سريعاً في هذا الأمر، إنّما لإرضاء "إسرائيل" من قبل الدول الذي اتخذته، لا سيما بعد أن وقفت ضدّها في محكمة العدل الدولية، من خلال بعض القضاة الذين وافقوا على الدعوى التي رفعتها جنوب أفريقيا ضدّها، ولم يردّوها خشية سقوط القضاء العالمي واتهام قراراته بالتسييس.

والأهمّ بالنسبة للبنان، أن تقوم الحكومة الحالية، وإن كانت حكومة تصريف الأعمال، وفق الأوساط عينها، بإعادة تذكير المجتمع الدولي، ومن ضمنه الدول المانحة، بثلاثة أمور أساسية:

- الأول: إنّ لبنان "ليس بلد لجوء" على غرار عدد من الدول المانحة، كونه ليس موقّعاً على "اتفاقية فيينا" للعام 1951. وتفرض هذه الإتفاقية على الدول المضيفة للاجئين والمصادقة والموقّعة عليها، منح اللاجىء حقوقه لا سيما حرية العقيدة والتنقّل من مكان الى آخر، والحقّ في الحصول على التعليم، ووثائق السفر، وإتاحة الفرصة للعمل. كما أنها تشدد على أهمية التزاماته تجاه الحكومة المضيفة. وينص أحد الأحكام الرئيسية فى هذه الاتفاقية على عدم جواز إعادة اللاجئين ـ والمصطلح القانوني هو حظر الطرد أو الرد ـ إلى بلد يخشون فيه من التعرض للاضطهاد. غير أنّ لبنان ليس مُلزماً بما تنصّ عليه هذه الإتفاقية، لا من قريب ولا من بعيد، كونه يستضيف اللاجئين الفلسطينيين على أراضيه، بصورة مؤقّتة، وإن طالت هذه المدة لـ 76 عاماً.

- الثاني: رفض لبنان الرسمي والشعبي لأي توطين، إنطلاقاً من الدستور اللبناني الذي يرفضه لا سيما في الفقرة "ط" من مقدمته التي تنصّ على أنّ: "أرض لبنان أرض واحدة لكلّ اللبنانيين. فلكل لبناني الحق في الإقامة على أي جزء منها والتمتع به في ظل سيادة القانون، فلا فرز للشعب على أساس أي انتماء كان، ولا تجزئة ولا تقسيم ولا توطين". كما من إرادة الشعب اللبناني الذي لا يودّ تغيير هوية بلده، ويخشى عليه بالتالي من الزوال.

- الثالث: إنّ لبنان يُعاني من أزمة إقتصادية ومالية خانقة وغير مسبوقة، وهي غير خافية على أحد، تجعله غير قادر على سدّ إحتياجات مواطنيه اليومية. كما أنّه بلد صغير الحجم نسبة الى عدد الشعوب التي يستضيفها على أراضيه، الأمر الذي يجعل وجود أكثر من مليوني نازح سوري و500 ألف لاجىء فلسطيني يُشكّلون نحو 40 % من عدد سكّانه، غير ممكن كونه يُهدّد بخطر ديموغرافي حقيقي.

وبناء عليه، فإنّ لبنان لا يُمكنه تحمّل أعباء أي من المقيمين على أراضيه، أكان النازحون السوريون أو اللاجئون الفلسطينيون، على ما أوضحت الاوساط، وليس باستطاعة الدول المانحة فرض ما تريده "إسرائيل" على لبنان ودول الجوار. ولهذا تنتظر أن يتحرّك لبنان الديبلوماسي ويُذكّر سفراء هذه الدول بوضع لبنان الحالي بالأرقام، ويرفض مرة جديدة أي توطين للاجئين الفلسطينيين المقيمين، أو المهجّرين الجدد منهم الذين تنوي "إسرائيل" طردهم من الجليل باتجاه لبنان، لا سيما بعد أن رفضت كلّ من مصر تهجير فلسطينيي قطاع غزّة الى سيناء، والأردن فلسطينيي الضفّة الغربية اليها.

 


الأكثر قراءة

حزب الله يهز «عرش» التفوّق الجويّ «الإسرائيلي»... ويتلاعب بـ«مقلاع داود» ساعات من «حبس الأنفاس» بعد توسّع الجبهة... وواشنطن على خط التهدئة «إسرائيل» تضغط لفرض وقف النار... والورقة الفرنسيّة لم تجد من «يشتريها»!