اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب


ما من دولة مثل الولايات المتحدة في صناعة الأزمات، والصراعات، والحروب، وادارتها ان من المقاعد الأمامية أو من المقاعد الخلفية، تبعأً لنظرية باراك أوباما. تصوروا الآن، بكل ما أوتيتم من ذهول، أنها هي من تضبط الايقاع بين طهران وتل أبيب. كل تلك المسيّرات، والصواريخ المجنحة، والصواريخ الباليستية، لم تقتل، أو تجرح، جندياً واحداً، مع أن غاية الضربة الثأر لضحايا الغارة الاسرائيلية والتي أودت بحياة عدد هائل من ألمع قيادات الحرس الثوري.

في تلك اللحظات، وبعد تلك اللحظات، بدا الشرق الأوسط بل العالم كله أميركياً. لا شك أن آيات الله يريدون بقاء جو بايدن في البيت الأبيض. اذا عاد دونالد ترامب، لا يمكن لأحد أن يتكهن بالمنحى الذي تأخذه سياساته المجنونة. هو من أطلق "صفقة القرن" لتدور دول المنطقة حول الهيكل. بطبيعة الحال، لا بد أن يمضي في ذلك، ولكن بصورة أكثر "وحشية". بوب ودورد وروبرت كوستا قالا، في كتابهما PERIL، "اذا كان لكائن بشري القدرة على اخراج النيران من أذنيه فهو دونالد ترامب". "النيويورك تايمز" لم تر فيه سوى "بائع لزيت الثعابين"، أي المهرج.

تبريرات الهجوم الصاروخي تركت لحسين أمير عبد اللهيان الذي حاول أن يصل بعباراته الديبلوماسية الى حدودها القصوى. كثيرون كانوا يفضلون ألاّ يحدث الهجوم لتبقى ايران "القوة الغامضة"، بدل أن "تتعرى" بتلك الطريقة التي لم تهز حائطاً في الدولة العبرية، لا بل أن الخبراء الاستراتيجيين الغربيين (وهم غير خبرائنا بالسطحية، وبالأمية، الرهيبة) يؤكدون اذا ما قررت حكومة بنيامين نتنياهو الثأر من الثأر، كل صواريخها تصل الى أهدافها، دون اصابات طبقاً للشروط الأميركية.

الحديث لم يعد يقتصر على القنوات المفتوحة بين واشنطن وطهران، عبرسلطنة عمان أو قطر. الحديث الآن عن الأبواب المفتوحة. هذا ما يعزز امكانية بقاء بايدن في البيت الأبيض، وقد لاحظنا أن سياساته حيال صادرات النفط والغاز الايرانية لم تكن استفزازية، وضارية، كما في عهد الرئيس الجمهوري.

ما يستشف من التعليقات، والمواقف، أن اللوبي اليهودي لا يكتفي باسلوب آيات الله في"الضربات المبرمجة" .يريد منهم "استراتيجية مد اليد" باحتواء القوى الحليفة لهم، والتي تشكل تهديداً وجودياً لـ "اسرائيل". في هذه الحال، ما هو الثمن الجيوسياسي الذي يمكن أن تقدمه الادارة لايران التي لا تستطيع، بحكم تركيبها الايديولوجي والتاريخي، الا أن تكون لاعباً أساسياً على المسرح الشرق أوسطي، بكل تضاريسه الاتنية، والقبلية، وحتى تضاريسه الفرويدية.

نذكر أن ناحوم غولدمان، وهو أحد آباء الدولة العبرية، كما كان أحد مهندسي اتفاقية كمب ديفيد (لقاؤه في حديقة قصر الصخيرات مع العاهل المغربي الحسن الثاني والصحافي الفرنسي، اليهودي، البارز جان جانيال)، دعا على صفحات "اللوموند ديبلوماتيك" بتحويل "اسرائيل" الى فاتيكان يهودي، أو الى كنيس يهودي، لأنها لا تستطيع أن تعتمد الى ما لا نهاية على القوة العسكرية في ترسيخ وجودها، أو في تحقيق الحلم التوراتي بـ "اسرائيل" الكبرى.

الملاحظ، في هذاا السياق، أن معلقين يهوداً في الصحف الأميركية بدأوا في الكتابة عن "ضرورة المقاربة البراغماتية للأفق الشرق أوسطي"، حيث يفترض الحد من قعقعة السلاح. هؤلاء لاحظوا أنه لولا المنظومات الدفاعية الأميركية لتمكنت عشرات الصواريخ من الوصول الى أهدافها. وهذه مجرد عيّنة من آلاف الصواريخ، والمسيّرات، الأكثر تطوراً والتي يمكن أن تنطلق، في أي لحظة، ضد "اسرائيل" اذا ما اندلعت الحرب.

تلك التعليقات تشدد على ضرورة اجتراح حل وشيك، وشامل، للملف الفلسطيني، وبعدما أثبتت حرب غزة أن تدمير الأبنية، وتكديس الجثث في العراء، يضع الدولة العبرية، أكثر فأكثر، على أبواب جهنم.

توماس فريدمان الذي صاغ المبادرة الديبلوماسية العربية التي أقرتها قمة بيروت عام 2003 (مع اضافة حق العودة ما أدى الى تفجيرهاً)، يتحدث الآن عن مشروع أميركي ـ سعودي للنسويات في المنطقة. لعل الصواريخ الايرانية كانت بمثابة المفاتيح السرية، والسحرية، للردهة الديبلوماسية، دون انتظار ما ينتج عن الصراعات الكبرى في الشرق الأوروبي، وفي الشرق الاسيوي.

انه الشرق الأوسط الذي وصفه آرنولد توينبي بـ "اللغز الالهي". واللغز البشري ايضاً...

الأكثر قراءة

اسرائيل تتخبط جنوبا… نتانياهو يهدد «بمفاجآت» ونصرالله يرد اليوم لودريان الى بيروت دون خطة وهوكشتاين يراهن على هدنة غزة!