اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

من بداية العدوان الصهيوني على غزة، يتركّز الحديث عن الأداء "الإسرائيلي" في الحرب الذي أتى بخلفية الإنتقام والجنون بالقصف والقتل والدمار، وحتى بالأهداف المعلَنة التي أثبتت عدم عقلانية بتحديدها، لناحية عدم الإستفادة من التجارب السابقة في كل الحروب التي خاضتها "تل أبيب" مع المقاومة، إن كان في فلسطين أو في لبنان.

نتيجة لذلك، أتى الأميركي مُسرِعاً لضبط الإيقاع "الإسرائيلي" وتولّى إدارة الحرب، هذا الذي بات مُتعارفاً عليه، لكن بعد مرور أكثر من ستة أشهر على العدوان، بات السؤال حول نجاحه أو فشله في هذه الإدارة مشروعاً؟ إلا أن الإجابة على هذا السؤال على ما يبدو تُظهِر ليس فقط عدم التوازن والإخفاق والتخبّط باتخاذ القرار عند "الإسرائيلي"، وإنما عند الأميركي أيضاً..

بات أمراً ظاهراً أنه يوجد اختلاط في الدوافع عند "الإسرائيلي"، وأكثر من ذلك فإن "الإسرائيلي" والأميركي يُعتبران معاً في لحظة عدم توازن، وبالتالي يمكن أن نشهد إختلاطاً كبيراً في الدوافع عندهما.. فالعدو واضح أنه لا يتحرّك بعقلانية، وأيضاً الأميركي لا يبدو أنه يسير برُشد وعقلانية في إدارة سياسته الخارجية فضلاً عن الداخلية، وكأن هناك فراغ سياسي بإدارة المرحلة في واشنطن، لذلك فإن الأزمة أبعد من أن تكون أزمة "إسرائيلية" فقط، فأميركا اليوم ليست على سويّتها، فهناك كُثر يريدون إفشال إدارة بايدن ومنعها من تحقيق أي هدف، لذا نحن أمام صراع داخل البيت الواحد..

تُعاني أميركا اليوم من فراغ استراتيجي في اتخاذ القرار، وتعيش "إسرائيل" اليوم تهديداً وجودياً، لدرجة لم يستطع مسؤولوها وتحديداً نتنياهو الإجابة عن هذا السؤال خلال ستة أشهر، بل ما حصل هو أن التهديد الوجودي تعمّق وبات مفتوحاً على مسارات كبرى مع مرور الوقت، فكل شيء تغيّر في المنطقة اليوم وربما في العالم..

بالنسبة لأميركا، ماذا يعني أن تُخفِق "إسرائيل"؟ يعني عملياً تسليم المنطقة لإيران .. يعني أن سياسة أميركا المستقبلية على المحك.. يعني عملياً المشهد بالغ التعقيد، وبالتالي يمكن أن يقول الأميركي لنتنياهو إن استمراره بهذا الشكل يزيد الأزمة، فإذا أكمل بالمسار الذي تفترضه أميركا قد يستطيع ترميم المشكلة، من خلال ممارسة عمل عسكري مختلف وترتيب التطبيع مع السعودية، يعني التقدّم بمقاربة مختلفة كلياً عما يقوم به، لأن استمرار رئيس وزراء العدو بهذا الشكل يُؤذي المشروع الأميركي ويمنعه من التقدّم.

لكن في نفس الوقت يسأل "الإسرائيلي" إذا أخذ هذا المسار، كيف ستنظر إيران لنتيجة خلاصتها أن "إسرائيل" أخفقت في مواجهة حماس وغزة ، وحققت المقاومة إنتصاراً كبيراً؟؟!! ويُجيب بنفس الوقت: ستقوم إيران حينها بقطف هذا الإنتصار من وجهة نظر "الإسرائيلي"، وبالتالي ستتقدّم الى الأمام وتخلق إنطلاقاً من ذلك معادلات جديدة، اعتباراً من أن حلفاءها حققوا إنتصاراً كبيراً..

وتتويجاً لهذا المسار، حصل الإعتداء الصهيوني على القنصلية الإيرانية في دمشق، وبعدها حصل الرد الإيراني عليه في عمق الكيان، لدرجة لم تستطع لا "إسرائيل" ولا أميركا ولا دول التطبيع وكل آلاتهم الإعلامية التعتيم عليه أو تسخيفه، ومن ثم حصل "شبه" رد "إسرائيلي" على الرد الإيراني بشكل لا يَصلح القول عنه إنه لحفظ ماء الوجه حتى، وإنما كان مواصلة لحالة التخبّط وفقدان جزء كبير من التوازن والإدراك، فكان في هذا الرد ذروة التخبّط والضياع "الإسرائيلي"، والضعف والخطأ في الحسابات والتقييمات، والأهم إنكشاف مقدار الردع الإيراني للكيان.

تحت عنوان "لا نريد التصعيد"، ظهرت "إسرائيل" بهذه الصورة الهزيلة، ورضيت أميركا بذلك أو لعلّها تكون فكرتها وتبنّتها "إسرائيل"..!!! بعد أن كانت إستعادة صورة وهيبة الكيان إحدى أبرز عناوين وأهداف الحرب أميركياً، فبعد ستة أشهر من المحاولات وبدل من تحسين الصورة، باتت أسوأ مما كانت عليه في السابع من تشرين الأول الماضي، بحيث فقدت "تل أبيب" المبادرة وحتى الخيارات، وانتقلت طهران الى مرحلة الهجوم وباتت تُمسِك في المبادرة وتُسيطر على سلّم التصعيد.

إذاً، نحن أمام مشهد بالغ التعقيد والتخبّط بمستوى عالٍ أميركياً و"إسرائيلياً"، بحيث يُمكن القول إن الأميركي نفسه غير مُقتنع أن بخطواته يستطيع ترتيب أمور المنطقة، وبالتالي لا توجد ثقة "إسرائيلية" بقدرة أميركا على ما يبدو، ما يعني أن هناك فرصة إستثنائية لمحور المقاومة في تعزيز المعادلات لصالحه، وإضعاف معادلات أميركا و"إسرائيل" في المنطقة..

الأكثر قراءة

لا سجادة حمراء... عين حمراء