اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب


لكأن أميركا أقفلت أمامنا يوم القيامة. ربما لأننا لا نستحق القيامة. أكثر من أن تكون أميركا نسخة عن القضاء والقدر، هي القضاء والقدر. كفانا صراخاً في الشوارع وعلى المنابر. هي العصا، ونحن ماذا؟ بعد زوال الديانة الشيوعية، لا ديانة (منزلة) هناك سوى... الديانة الأميركية!

ما فعلته المملكة العربية السعودية أنها طلبت من جو بايدن عقد اتفاق دفاعي مع بلاده، مع أن الكثيرين كانوا يتوقعون ـ خطأ ـ أن تنتظر عودة دونالد ترامب الى البيت الألبيض. سؤالنا: اتفاق دفاعي ضد مَن...؟

لا شك أن الأمير محمد بن سلمان الذي نثق بنظرته المستقبلية الى بلاده، والى رؤيوية تفعيل علاقاته مع الدول العربية، لا سيما سوريا ومع دول المحيط، لا سيما ايران، يدرك أن الظروف التي أدت الى اللقاء الشهير بين جده الملك عبد العزيز بالرئيس فرنكلين روزفلت في البحيرات المرّة (14 شباط  1945 ) غداة مؤتمر يالطا، قد تغيرت كثيراً في ظل التداعيات التي أحدثها المفهوم الملتبس للعولمة، وفي ظل التغيرات التي أحدثتها الثورة بعد التكنولوجية على امتداد الكرة الأرضية.

الأميركيون موجودون داخل كل حبة رمل في الخليج. باستطتاعتهم تفجير أي بلد عربي أنّى شاؤوا. لكن المملكة قدمت الكثير لهم على مدى الثمانية عقود المنصرمة. لا شيء في المقابل، حتى ولو قال دونالد ترامب، بكل تلك الفظاظة "لولانا لسقطت عروشكم في أيدي آيات الله خلال 12 دقيقة"!!

لكن تغييراً واضحاً حدث في النظرة الايرانية الى بلدان الجوار، لنكون بعد لقاء بكين أمام مرحلة مختلفة من العلاقات بين الرياض وطهران. الجانبان لاحظا مدى حساسية وأهمية مصالحهما المشتركة، حتى على المستوى الاستراتيجي. ولكن، ماذا عن الأسلاك الشائكة الأميركية. المشهد الشرق الأوسطي، وسط تلك التقاطعات أو التناقضات الاقليمية والدولية، أكثر تعقيداً مما نتصور، اذا أخذنا بالاعتبار هشاشة البلدان العربية من جهة، والسياسات المجنونة للولايات المتحدة من جهة أخرى.

هذا لا يحجب التفاعلات الجيوسياسية والتفاعلات الجيوستراتيجية، وحتى التفاعلات الايديولوجية في المنطقة. حين يسأل البعض مستشاري ولي العهد السعودي عن خلفيات وآفاق الاتفاق الدفاعي، يجيبون بأن هذه مسألة تتعلق بـ"المصلحة العليا للبلاد"  ، التي لها وسائلها التكتيكية والاستراتيجية على السواء. ثم يشيرون الى أن الايرانيين أنفسهم عقدوا "الاتفاق النووي"  مع أعدائهم الايرانيين، وهو اتفاق متعدد الأبعاد، وله تداعياته الداخلية والخارجية. في هذه الحال، كيف يمكن اتهام المملكة بالتبعية لأميركا، اذا كان الاتفاق الدفاعي يلحظ مساعدتها لبناء المفاعل النووي، وللدخول الى "الزمن التكنولوجي" عبر تقنيات الذكاء الاصطناعي.

زملاء سعوديون يستغربون ما ذهب اليه البعض من أن الاتفاق يتيح للأمير الشاب الجلوس السلس على العرش، مع أن الواضح للملأ أن شعبيته تزداد اتساعاً، مع المضي في سياسات الانفتاح على القرن، ووقف "ثقافة الخيزرانة"  التي كان يستعملها أعضاء "هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر". الهدف الذي يسعى اليه الأمير تركيز كل الجهود على تطوير بنى الانماء والتحديث في بلاده، تمثلاً بمن أطلقت عليهم تسمية "نمور آسيا".

هذه مهمة لا بد أن تكون شاقة، وتحتاج الى تغيير في الكثير من المفاهيم والرؤى، التي تشكلت على مدى قرون، غالباً ما كانت قرون الظلام.

بيد أن ما نفهمه من تصريحات المسؤولين الأميركيين، ومن وسائل الاعلام الأميركية، أن من مقتضيات الاتفاق الدفاعي التطبيع التدريجي مع الدولة العبرية. السعوديون يشترطون موافقة "اسرائيلية" قاطعة بانشاء الدولة الفلسطينية. غير أن القادة "الاسرائيليين" بالثقافة التوراتية، يرون أن قيام تلك الدولة يشكل خطراً وجودياً على بلدهم، لا سيما بعد ذلك الركام الدموي المروع.

كل ما يعني الأميركيين هو حصر الحرائق في حيّز جغرافي وسياسي مبرمج بدقة، أم أن يرغموا "الاسرائيليين" بالقبول بقيام دولة فلسطيينية، يرون فيها السكين في خاصرة "يهوه"، فهذا لن يحصل في زمننا، ولا في زمن آخر.

لكن أوديسه النهاية بدأت فعلاً. وكان ناحوم غولدمان، وهو أحد آباء الدولة، قد أبدى خشيته من "أن تكون عودتنا من حيث أتينا في التوابيت لا في القطارات"!

الأكثر قراءة

كارثة عالميّة... خسائر بمليارات الدولارات... عطل تقني أم خرق سيبراني؟ ما هي خطط ترامب إذا عاد إلى البيت الأبيض؟ لبنان لن ينجو من «الرمادية»...ولكنه سيتفادى قطيعة المصارف المراسلة