قد نحتاج الى الكثير من السذاجة في التعاطي مع المشهد، وحيث لا ندري اذا كان الذي يتناهى الينا من البيت الأبيض قرع الطبول أم قرع الطناجر. أين ومتى هددت ايران المصالح الاستراتيجية الأميركية في الشرق الأوسط؟ اذا طرحتم هذا السؤال على الانكليزي المخضرم ديفيد هيرست، والذي تعامل لسنوات طويلة مع تضاريس المنطقة، فلسوف يجيب "كل ما فعله آيات الله على مدى نحو نصف قرن، تلقفته الادارات الأميركية المتعاقبة لتوظيفه في خدمة تلك المصالح".
من الخمسينات من القرن الفائت، والأميركيون ماضون في تصنيع الصراعات القبلية والصراعات الايديولوجية (الرقص في قعر الزجاجة)، في منطقة لم نعد ندري اذا كانت تقع على خط الآلهة، كما قال المستشرق الألماني تيودور نولدكه، مؤلف "تاريخ القرآن"، أم على خط الزلازل كما قال هيرودوت.
المشهد من الدقة والخطورة، وحيث وقع الأحذية الثقيلة يصم الآذان، بحيث يستدعي القراءة العميقة والبعيدة المدى للظروف وللاحتمالات. منذ أيام أكد تقرير لوكالات الاستخبارات الأميركية، أن ايران ليست في صدد صنع القنبلة النووية التي، في نظر العديد من الخبراء، تشكل عبئاً عليها، اذا أخذنا بالاعتبار أن ايران محاطة بالقواعد الأميركية وحتى "الاسرائيلية". اذربيجان الدولة المتاخمة، وغالبية سكانها من الشيعة، تستضيف طائرات "اسرائيلية" بسبب الخلافات التاريخية حول الأراضي، بالرغم من أن آية الله خامنئي من أصل آذري.
اذ ندرك مدى التداخل العضوي والاستراتيجي بين أميركا و "اسرائيل"، هناك تفاهم على ابقاء بلدان المنطقة على مسافة من القرن. لا صناعة متطورة ولا تكنولوجيا متطورة. المحاولات الايرانية كسر هذا "التابو" جدية وثابتة، بالرغم من العقوبات القاتلة التي تحول دون ملامسة الخطوط الحمراء. الآن ايران، وغداً تركيا التي لن تحميها في أي حال، لا ديبلوماسية الثعبان ولا استراتيجية الثعبان. رأس رجب طيب اردوغان الذي تصور أنه، بوضع اليد على سورية تفتح أمامه الأبواب الأخرى، في قبضة بنيامين نتنياهو.
ها أن "اسرائيل" تتوغل أكثر فأكثر في الجنوب السوري. طائراتها تدمر كل امكان لاعادة بناء المؤسسة العسكرية، لتبقى سورية دولة منزوعة السلاح ومنزوعة الأظافر، ولكي تتيح للفصائل المضي في ذبح الأقليات. الغارات الأخيرة أثبتت أن "تل أبيب" لن تسمح لأنقرة باعادة تأهيل قاعدة "تي ـ فور"، ومرابطة طائرات تركية فيها. يسرائيل كاتس، وزير الدفاع، هدد بالقول "أذا أجازت دمشق دخول قوات معادية "لاسرائيل" الى سورية، ستدفع ثمناً باهظاً جداً"، مضيفاً بأن " نشاط سلاح الجو في سورية تحذير للمستقبل، ولن نسمح بالمساس بأمننا".
من هي القوات المعادية التي يمكن أن تدخل الى سورية؟ لا نتصور أنها القوات الايرانية، ولا قوات حزب الله، وان كنا على ثقة بأن هناك قوى سورية داعمة للادارة الجديدة، تعرب عن صدمتها حيال "التخاذل التركي" في التعاطي مع الخروقات "الاسرائيلية" التي تضرب حتى في قلب دمشق. هذه القوى بدأت باظهار خوفها من احتمالات خطرة تهدد الوضع الحالي، خصوصاً مع ظهور مؤشرات على أن قوى شعبية سورية، ان كان في درعا أو حتى في دمشق، وصولاً الى مناطق سورية أخرى، بدأت ترفع صوتها، وتتخوف من أي صفقة بين اردوغان ونتنياهو حول بلادها، بعدما كتب الكثير عن امكان قيام كوندومينيوم (ادارة ثنائية) تركي ـ "اسرائيلي" لحكم سورية.
قوات أميركية ضاربة، ومن قاعدة "دييغو غارسيا" في المحيط الهندي، الى قاعدة "انجيرليك" في تركيا على مقربة من شاطئ المتوسط، مروراً بقاعدة "العيديد" في قطر، وقاعدة "الجفير" في البحرين. لكأننا أمام الحرب التي لا تبقي ولا تذر. الايرانيون لا يهددون بالرد في مكان معين. أحد معلقي وكالة "بلومبرغ" تساءل "ماذا يمكن أن يفعل آيات الله بدونالد ترامب"، في حين لا يستبعد السناتور بيرني ساندرز أن تكون وشيكة وحتمية، نهاية الرئيس الأميركي في الشرق الأوسط.
كل المنطقة ستشتعل. ولكن حتى لو اندلعت الحرب، وتم تقويض النظام، هل يمكن للولايات المتحدة استيعاب الشعب الايراني من خلال الضربات الجوية، وهي التي لاذ ضباطها وجنودها بالفرار تحت جنح الظلام من الجارة أفغانستان؟ أي سلاح كان مع مقاتلي "طالبان" غير رشاشات الكلاشينكوف؟ الآن مئات آلاف الصواريخ جاهزة للانطلاق وفي كل الاتجاهات، ما قد يستتبع اعطاء الضوء الأخضر لنتنياهو، من أجل شن ضربات نووية على طهران وغيرها من المدن، وكذلك على المناطق والمنشآت الايرانية الحساسة.
منذ بدايات الثمانينات من القرن الفائت، والرؤساء الأميركيون يلوحون بـ "الغول الايراني" لاستنزاف ثروات وأزمنة بلدان المنطقة. ماذا لو اختفى هذا الغول؟
العالم أمام كاليغولا القرن. حرب اقتصادية عشواء على الأصدقاء والأعداء. الأميركي بول كروغمان، الحائز نوبل في الاقتصاد، يحذر من الاستعادة الكارثية لأزمة 1929، حيث لا فرنكلين روزفلت لتدارك ما يمكن ادراكه، وانما رجل لا يدري أنه حين يدفع بالكرة الأرضية الى الجحيم، يدفع بأميركا أيضاً الى الجحيم.
لا الكرة الأرضية تتوقف عن الدوران (كذلك التاريخ)، ولا الشرق الأوسط يمكن أن يغيّر مهنته كمقبرة للآلهة. ايضاً مقبرة لللأباطرة...
يتم قراءة الآن
-
من يدفع أميركا الى الجحيم؟
-
تهويل يسبق زيارة أورتاغوس... فهل تصمد «اللاءات» اللبنانية؟ باريس تخشى الفوضى وتحاول تخفيف الضغوط الأميركية رهان على «تدوير الزوايا» وعدم حشر لبنان بمهلٍ زمنية؟
-
الدراّج اللبناني رفيق عيد: سأشارك في جميع مراحل بطولة العالم للراليات الصحراوية (باها) للعام الجاري
-
ما هي تداعيات وقف المساعدات الأميركية على الاقتصاد اللبناني؟ لبنان كان يتلقى مساعدات بقيمة ٦٤٣ مليون دولار لمختلف القطاعات
الأكثر قراءة
عاجل 24/7
-
16:50
وصول الموفدة الأميركية مورغان اورتاغوس إلى بيروت
-
16:42
الرئيس الأميركي دونالد ترامب: "سياساتي لن تتغير أبدا رغم تواصل تراجع الأسواق".
-
16:10
القوات المسلحة: نتصدى للعدوان الأميركي على بلدنا ونستعد لمواجهة أي تطورات محتملة خلال الفترة المقبلة
-
16:10
القوات المسلحة: اليمن العظيم لا يمكن أن يستسلم ولن يترك واجباته تجاه الشعب الفلسطيني المظلوم مهما كانت النتائج
-
16:09
القوات المسلحة: العملية في البحر الأحمر تمت بعدد من الصواريخ المجنحة والطائرات المسيرة واستمرت لعدة ساعات
-
16:09
القوات المسلحة: أفشلنا هجومين جويين كان العدو يحضر لتنفيذهما ضد بلدنا
