اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

تعد النرجسية من الاضطرابات السلوكية التي تترك انعكاسات سلبية على الفرد والبيئة المحيطة به. غير أن النرجسية الوقحة تمثل النموذج الأكثر وضوحا وحدة، حيث يظهر الشخص النرجسي بصورة متعالية، استعراضية، ويطالب الآخرين باستمرار بالاعتراف بتفوقه وتميزه رغم كذبه وإدائه الخاطئ. هذا النمط لا يقتصر أثره على الشخصية نفسها فحسب، بل يمتد ليطال العائلة والمجتمع ككل.

 من سمات النرجسي الوقح أنه يعمل ليل نهار على تضخيم الذات والشعور المبالغ فيه بالأهمية (الأنا وبس)، فهو دائم البحث عن الانتباه والإعجاب والاستعلاء على الآخرين والتقليل من شأنهم. إن غياب التعاطف الحقيقي مع مشاعر الغير يروي غليل الأنا المعظمة عنده.غالبا ما يميل إلى السيطرة وفرض الرأي بالقوة أو بالإهانة...

هذا السلوك المرضي المبني على التقليل من شأن الآخر واستضعافه والإستهتار بقدراته له تأثير سلبي كبير على العائلة والمجتمع. فعلى الصعيد العائلي تعمل النرجسية الوقحة على تدمير العلاقات الزوجية، إذ يضع النرجسي حاجاته فوق كل اعتبار، ويخضع شريكه إلى ضغوط عاطفية ونفسية وحتى جنسية. ويمتد هذا السلوك ليطال الأبناء في كافة مراحل نموهم، فالنرجسي لا ينجذب إلى اولاده ولا يقدر طاقاتهم بل واكثر هو دائم الإهانة لهم والتحقير والاستهزاء بهم. قد يستعمل أبناءه كأدوات لإثبات نجاحه من دون مراعاة لمشاعرهم ولإحتياجاتهم الفعلية. فيستبدل أبوته الفطرية بعداوة مشحونة بالشر ليسود من بعدها التوتر وفقدان الأمان العاطفي وانعدام الاحترام المتبادل. وفي حال كان هذا الشخص عازبا فتزداد هذه الحاجات لتصبح مرضية جامحة تطال أهله وكل الأقارب والاصدقاء إن وجدوا.

  على صعيد المجتمع فتأثير النرجسية الوقحة هو أوسع واكثر ضررا وأذية. وأولى نتائجها السلبية هو تراجع روح التعاون لأن النرجسي لا يؤمن بالمصلحة العامة بل بمصلحته الخاصة فقط. وإن آمن بها فعلى طريقته الإستئثارية. في العمل تتفكك الروابط الاجتماعية بسبب سلوكه المتعالي والمهين للآخرين. إذ يسعى النرجسي إلى فرض قيم سطحية مبنية على المظهر والوجاهة بدل القيم الأخلاقية والإنسانية. اما الخطير في القصة هو عندما يتسلل أشخاص نرجسيون إلى مواقع القرار، تتحول المصلحة العامة إلى رهينة نزواتهم الشخصية واستفرادهم بالقرار ولو على خطأ. ففي هذه الحالة الأنا الشاهقة الفارغة تتعاظم فتحبل وتنجب شرا مطلقا.

أمام هذا الكم من الأذية الأخطبوطية نسأل ما هي سبل المواجهة؟ ما هو دور التربية البيتية؟ وكيف يجب ان يتم الدعم النفسي لهؤلاء االنرجسيين؟

من البيت يبدأ كل شيئ، فتعزيز التربية الأسرية القائمة على التواضع والتعاطف والتواصل الإيجابي مع الآخر هي المدماك الأول. ثم تأتي المدرسة ومن بعدها الجامعة لتعزز القيم والأخلاق وتجسد الإنسانية في كل شيئ. هذا من باب الوقاية وعدم الانجرار وراء الاهواء الشخصيىة، فبرأيي أن بذور النرجسية تكون صغيرة في البدء لكنها تنمو مع الوقت في حال لم تستدرك من قبل الأهل والأخصائيين من خلال دعم الصحة النفسية والعلاج السلوكي للأفراد المتأثرين وتقوية القيم المجتمعية التي تقوم على التضامن، الحوار، والاحترام المتبادل.

النرجسية الوقحة ليست مجرد صفة شخصية مزعجة، بل ظاهرة قد تهدد بنية الأسرة وتماسك المجتمع إذا لم تتم مواجهتها بوعي وحزم. إن بناء بيئة سليمة يقوم على التربية الأخلاقية، الوعي النفسي، وتعزيز ثقافة الاحترام والتعاطف، كفيل بحماية المجتمع وجعله قادرا على النمو والازدهار بعيدا عن الاستعلاء والأنانية المدمّرة.

انتبه ايها النرجسي، فإنك كلما انغمست في كبريائك كلما زاد الغشاء على بصيرتك وأخفيت خطيئتك امام الناس. أما الرب فيعرف بكل شيئ...لكنه يحبك وينتظرك، فأعترف له وهذا كاف لتنقذ نفسك وعائلتك ومجتمعك.

الأكثر قراءة

معــارك «المعــادلات» بـين الكـسر والتثبــيت؟ لودريان على خط الوساطة... وعين التينة تنتظر «أجوبة»