اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

شراسة الحرب الدائرة على منابر التوك شو او عبر منصات وصفحات وسائل التواصل الاجتماعي بين مختلف شرائح المجتمع ومناصري الأحزاب اللبنانية، تجاوزت كل الخطوط الحمراء، وخرجت من عقال المنطق، وصارت مدعاة للمبارزة الساخرة والتهكم، بعدما أطاحت القيم ومبادئ العيش المشترك، ونسفت واجب احترام الطوائف اللبنانية بعضها لبعض، وكسرت قواعد التربية والأخلاق الانسانية، وأسهمت في تأجيج الكراهية بين أبناء الوطن الواحد، فتحولت الى ما يشبه حرب إلغاء، تخاض وسط غابة لا شرعة فيها، قوامها حق القوة فأخرجت قوة الحق من التداول.

هكذا طويت صفحة الوعي والفكر، ليحلّ محلها قانون مبرم يعتمد الاستقواء بقوّة خارجية ، تهدف الى تغيير وجه وثقافة وهوية بلدنا وتحويله الى غابه ، تفرض علينا سياسة الفتوّ والاتاوة ونشر ثقافة الجهل والتعصّب والفساد والقتل والتهجير، تحت عنوان الحفاظ على السيادة الوطنية، وكل ذلك بغرض سلبنا حقنا في مقاومة الاحتلال الاسرائيلي، والدفاع عن وجودنا وعن أرضنا وعن الوطن وتحويله الى غابة.

ان حفلة الشتائم والسباب وقلة الاخلاق المتبادلة على المنابر وعلى وسائل التواصل تنبئ بانحطاط وازدراء أخلاقي مخجل غير مسبوق في تاريخ لبنان، أسهم في ازدياد الجهل وبانسداد أفق تفهّم او تقبّل الآخر وبتمزيق المجتمع اللبناني، الأمر الذي بات يهدد بتفتيت الوطن الواحد، وضياع أسس الوحدة الوطنية وصيغة العيش المشترك فيه.

ان الدفاع عن سيادة الوطن لن تتحقق من خلال اقتطاع قسم من خطاب القسم او بتسليط الضوء على القسم الذي يخدم الخارج بسلب سيادتنا، ولا باقتطاع قسم من اتفاق الطائف واهمال تطبيق القسم الذي يخدم وحدة لبنان، لا سيما قانون الانتخاب والغاء الطائفية السياسية، فحماية السياده لن تتحقق بكيل التهم بعضنا لبعض، ولا من خلال السباب والشتائم التي تؤذي وعي وتفكير وآذان أجيالنا، وتنمّي فيهم غرائز الحقد والكراهية، وتصعّب عليهم استقبال الفهم والتفهّم أو تقبل الآخر في الوطن، فيتحول الوطن الى ما يشبه الغابة.

ايها اللبنانيون المخلصون الأوفياء للوطن لبنان، فلنعد قيمنا الإنسانية والأخلاقية التي نشأنا عليها، واسهمت في فرادة وتميّز لبنان بين دول العالم، وكانت الدرع الذي حمى بلدنا من ويلات التقسيم، ونقول وبكل ضمير وطني وانساني، ان احترام الإنسان لكرامة اخيه الانسان في الوطن واجب اخلاقي وانساني ولو اختلفا معه بالرؤى أو بالعقيدة، فمهاجمة بعض الطفيليين عقيدة البعض الآخر، تنمّ عن قلة اخلاق وضعف في ثقافة الانتماء الى الوطن والى كرامة الانسان فيه، وتعدٍ فاضح على مفهوم الأديان والطوائف، واستهتار متعمد ومقزز بصيغة العيش المشترك، ما يسهم في اخراج سيادة الوطن عن مفهومها وسياقها الطبيعي لتصبح سيادات متعددة حسب الولاء والانتماء لخارج الوطن.

ان سيادة الوطن لا تُمنح من خارج الوطن، فلا سيادة في ظل وجود احتلال اسرائيلي لارض الوطن، ولا سياده من خلال التفريط بمكمن قوة المقاومة التي دافعت عن الوطن، ولا بالاستقواء على مكون من مكونات الوطن، ولا ببيع أو خصخصة مقدرات وثرواتنا الوطنية لمصلحة شركات او دول الاستعمار الجديد، فالدفاع عن سيادة الوطن لن يتوافر بأي طائفة او مكون لبناني اذا اعتمد مبدأ الاستقواء بقوة من خارج الوطن، خصوصاً تلك الغريبة عن الاخلاق والقيم الانسانية، المنحازة لمصلحة المعتدي الإسرائيلي.

ان القوى الخارجية التي تدعي الحرص على لبنان هي نفسها تمعن في منع تسليح وإعداد جيشنا الوطني ليكون قوياً قادراً على صد اي اعتداء اسرائيلي وبالتالي حماية السيادة الوطنية، وهي نفسها التي تحرّم على اللبنانيين حقهم في مقاومة تحرير ارض الوطن من الاحتلال والدفاع عن سيادة وطنهم، و تذكروا ان هذا الخارج لم يقم أي وزن او اعتبار لمشاعر اللبنانيين حين تجرأ على وصفنا بالفوضى الحيوانية ومن خلف منبر المقام الأول في الدولة اللبنانية.

نختم بالقول إن رفض املاءات القوى الخارجية و الدفاع عن السيادة الوطنية و مقاومة الاحتلال بكل السبل المتاحة واجب وطني أخلاقي أملته علينا شرائع وقوانين الحياة، لتسمو الكرامة الوطنية فوق كل الطوائف والاحزاب.

ان مدماك السيادة تمكن باستعادة رشدنا الإنساني والأخلاقي، والتأكيد على انتمائنا الوطني الجامع، بعدما ضاع في زواريب الجهل و الطائفية والمذهبية والحزبية، ولتكن قبلتنا الوطنية في تقبل وتفهّم هواجس بعضنا البعض، واتباع خطاب هادئ وحوار وطني بناء، لعله ينقذنا من وحشة غابة تفترس الحق وتحمي الباطل، بإملاء وارادة وإدارة خارجية، فلندافع عن سيادة بلدنا وعن كرامة بعضنا البعض، ليبقى لنا ولأجيالنا جميعاً وطن اسمه لبنان...

*رئيس ندوة العمل الوطني


الأكثر قراءة

منصة "إكس" تدخل عصر البث الاحترافي مع X Live Studio