اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

كيف يُعقل أن يتحوّل التدريب، وهو في الأصل أداة للارتقاء بالعلم والمعرفة، إلى سلعة تُباع وتُشترى في سوق الوهم؟ وكيف لشخص لم يحمل يومًا إجازة أكاديمية في اختصاص ذي صلة، ولم يدخل قاعة صفية أو يُختبر في ميدان تربوي أو نفسي، أن يقدّم نفسه "مدرّبًا عالميًا" أو "خبيرًا معتمدًا" يمنح شهادات "عالمية" و "احترافية" ممهورة بأختام ما يُسمى بـ"البوردات الدولية"؟ وأي منطق يسمح بتحويل الأختام الأجنبية والشعارات البراقة إلى غطاء يشرعن ممارسات لا علاقة لها بالتدريب الجاد؟ وهل باتت بعض الجمعيات والنقابات واجهة شكلية تُستغل لإضفاء شرعية على هذه الدورات الوهمية؟ أسئلة إشكالية تقودنا إلى ظاهرة آخذة في الاتساع في لبنان كما في العالم العربي: تسليع التدريب وتحويله إلى تجارة مربحة على حساب الكفاءة والخبرة والثقة المجتمعية. إنها ظاهرة تقوم على وهم الألقاب لا على حقيقة المعرفة، وعلى استعراض الشهادات الممهورة بدلًا من تراكم التجربة والاختصاص.

إحدى أبرز أدوات هذه التجارة هي ما يُعرف بـ"البورد" أو بأسماء فضفاضة لا تنتهي، من مجالس دولية وأوروبية وأميركية للتدريب. هذه العناوين البراقة، التي لا وجود قانوني أو أكاديمي فعلي لها، تُستخدم كطُعم لإقناع المتدرّبين بأنهم سيحصلون على شهادة مرموقة صادرة عن هيئة دولية. والحقيقة أنها كيانات وهمية تُدار غالبًا من أفراد أو شركات خاصة، لا اعتراف بها في أي وسط أكاديمي أو مهني، ولا تخضع لأي معايير أو رقابة. الأخطر أن بعض المدربين يزعمون أنهم "معتمدون" من هذه البوردات، فيما هي لا تعدو كونها مواقع إلكترونية تبيع شهادات مدفوعة مقابل اشتراك مالي، تمنح الحق في طباعة شعار مزخرف على ورقة لا قيمة لها. أي "بورد عالمي" هذا الذي مقره خادم إلكتروني، ومجلسه بضعة توقيعات مجهولة، وأعضاؤه كل من يملك بطاقة مصرفية واشتراكًا عبر الإنترنت؟

الخطورة تكمن في أن بعض المدربين يقدّمون أنفسهم على أنهم "معتمدون" من هذه البوردات، ليُوهموا الناس بشرعية دولية زائفة. بينما في الواقع، لا يتعدّى الأمر شراء عضوية وهمية تمنحهم الحق في طباعة شعار "بورد" على شهادة لا قيمة لها. الأخطر من ذلك أن بعض هذه الكيانات نجحت فعلًا في إقناع وزارات ومؤسسات رسمية بتوقيع اتفاقيات تفاهم معها، في مشهد يعكس قدرة الوهم على اختراق حتى الإدارات العامة. وغالبًا ما تُستخدم هذه الاتفاقات لاحقًا كأداة تسويقية مضللة، لإقناع الرأي العام والمتدرّبين بأن البورد "معترف به رسميًا"، بينما الحقيقة أن الوزارات نفسها قد تكون وقعت ضحية خداع متقن. وهكذا يتحوّل الاحتيال المعنوي إلى فخ يوقع المتدرّبين في استنزاف مالي ونفسي، ويشوّه صورة التدريب الحقيقي، ويُفقد الثقة بأي جهد جاد يسعى فعلًا إلى رفع مستوى الكفايات والمعرفة.

من أخطر ما نشهده اليوم في تجارة التدريب هو التّعدي السافر على الحقول النفسية والانفعالية والزوجية. فقد بات يكفي أن يحضر شخص دورة قصيرة في "البرمجة اللغوية العصبية" أو "التنمية البشرية"، حتى يخرج على الناس بلقب "مدرّب نفسي"، أو "خبير في العلاقات الزوجية"، أو "معالج انفعالي"، أو حتى "اختصاصي في الذكاء العاطفي". هذه الألقاب التي تُغري السامعين وتوهمهم بالخبرة، لا تستند إلى أي أساس أكاديمي ولا إلى تكوين علمي جاد. والحقيقة أن القضايا النفسية والعاطفية والزوجية تُعدّ من أدقّ الاختصاصات وأخطرها، ولا تجوز مقاربتها إلا من خلال أهل العلم الذين يملكون مؤهلات جامعية واضحة (إجازة، ماجستير، دكتوراه) في علم النفس أو الإرشاد أو العلاج النفسي، إضافة إلى تدريب سريري، إشراف مهني، وترخيص رسمي من نقابات مختصة. أمّا أن يتصدّر الساحة أشخاص بلا أي خلفية أكاديمية، ويبدؤوا بتقديم "استشارات" أو "جلسات علاجية"، فهذا لا يُعدّ فقط تضليلًا، بل تهديدًا مباشرًا لسلامة الأفراد والأسر، إذ يترك مصائر الناس النفسية في أيدي هواة يتقنون فنّ التسويق أكثر مما يتقنون علم الإنسان.

هذا التجاوز لا يسيء فقط إلى المهنة وصورتها، بل يحوّل معاناة الناس إلى سلعة تُعرض في سوق التسويق وجني الأرباح. والأسوأ أن هؤلاء "المدرّبين" محميّون غالبًا بشهادات صادرة عن "بوردات" وهمية أو جمعيات تجارية، يبيعون من خلالها الوهم على أنه علاج. وهكذا، يُستغل جهل الناس بالفارق الجوهري بين الخبير الأكاديمي المتخصّص وبين المتدرّب السطحي الذي لا يملك من العلم سوى ورقة مطبوعة وشعار ملوّن. "في منطق هؤلاء، يكفي حضور دورة عطلة نهاية الأسبوع ليصبح الواحد فيهم محلّلًا نفسيًا أو خبيرًا في إنقاذ العلاقات الزوجية!"

إن انتشار هذه الظاهرة لا يأتي من فراغ، بل تدعمه جملة من الأسباب. أوّلها غياب الرقابة الرسمية القادرة على وضع معايير واضحة لضبط جودة الدورات التدريبية والتأكد من كفاءة المدربين. وثانيها الإغراء النفسي بالألقاب، إذ يسعى كثيرون وراء لقب "مدرّب معتمد" أو "خبير دولي"، حتى ولو كان بلا مضمون، طلبًا للوجاهة الاجتماعية أو لتعزيز السيرة الذاتية. وثالثها الطمع بالربح السريع، حيث يجد البعض في التدريب بابًا سهلًا للدخل، من دون استثمار حقيقي في المعرفة أو الاختصاص. ولا يمكن إغفال الفراغ المؤسسي، فغياب مؤسسات وطنية قوية تُعنى بالتدريب النوعي يفتح الطريق أمام الجهات الوهمية لتملأ المشهد وتستغل عطش الناس إلى التعلم.

أما دوافع أصحاب هذه التجارة فجوهرها التسويق القائم على الوهم. فهم يلمّعون أسماء "بوردات" أجنبية لا اعتراف بها، ويزيّنون إعلاناتهم بشعارات براقة توهم المتدرّبين بالجدية والمكانة. ويتلطّون خلف أسماء جمعيات أو نقابات محترمة، فيضعون شعاراتها على منشوراتهم مقابل نسبة من الأرباح، من دون أي إشراف حقيقي أو علاقة فعلية. والأدهى أن بعضهم يبيع الوهم المغلّف بالأمل، فيقنع الشباب بأن هذه الشهادات ستفتح لهم أبواب التوظيف والفرص، بينما هي في الحقيقة لا تساوي أكثر من ورقة ملوّنة لا قيمة لها.

المخاطر المترتبة على هذا الواقع جسيمة. أولها تضليل المتدرّبين الذين يخرجون من هذه الدورات محمّلين بشهادات لا وزن لها في سوق العمل. وثانيها ضرب الثقة بالمؤسسات الجدية التي تقدّم تدريبًا نوعيًا، إذ يختلط الغث بالسمين، ويضيع الجهد الحقيقي وسط ضجيج الوهم. وثالثها تعميم الرداءة، إذ يفتح الباب أمام غير المؤهلين لنشر معرفة سطحية وممارسات مضللة على حساب الجودة والمعيار الأكاديمي. أما الخطر الأكبر، فهو هدر أموال المتدرّبين على أوراق لا تساوي شيئًا، وما يتبع ذلك من إحباط وخذلان، وربما عزوف لاحق عن أي تجربة تدريبية جادة.

مواجهة هذه الظاهرة لم تعد ترفًا بل ضرورة ملحّة، وتتطلب تدخلًا جادًا وحاسمًا. تبدأ الخطوة الأولى من خلال تعزيز التشريعات والرقابة، بحيث تضع وزارات العمل والتربية أنظمة صارمة تحدّد الجهات المخوّلة حصريًا بمنح الشهادات التدريبية، وتجرّم أي ممارسات وهمية. والخطوة الثانية هي إنشاء سجل وطني للمدرّبين، قائم على الكفايات والخبرة الفعلية لا على الألقاب المستوردة والشعارات الفارغة. كما تبرز الحاجة إلى توعية مجتمعية واسعة، تشجع الأفراد على التحقق من هوية المدرب ومؤهلاته والجهة المانحة قبل الالتحاق بأي دورة. أما الجمعيات والنقابات، فعليها أن تتحمّل مسؤولياتها الأخلاقية والمهنية، وألا تسمح باستخدام أسمائها كواجهة تسويقية من دون إشراف مباشر وحقيقي على التدريب ومضمونه.

وأمام هذه الفوضى، يبقى السؤال ملحًّا: هل نقبل أن تتحوّل المعرفة إلى سلعة مغشوشة تُباع وتشترى في أسواق الوهم؟ من يحمي الأجيال الصاعدة من الوقوع في فخ "البوردات" الوهمية التي لا وجود لها إلا على شاشات الإنترنت؟ وهل آن الأوان لأن نضع حدًّا لهذا الاستنزاف الممنهج للثقة والعقول والموارد، قبل أن يغدو التدريب نفسه مجرّد قشرة براقة تخفي خواءً، وشعارًا فارغًا يُضاف إلى سجل طويل من أوهام الاحتراف في مجتمعاتنا؟ 

*باحث تربوي


الأكثر قراءة

ليلة القبض على دونالد ترامب