نشرت شبكة «رووادو» الكردية يوم الخميس الفائت، نص الحوار الذي أجرته مع المبعوث الأميركي توم براك، على هامش اجتماعات الدورة 80 من أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة، والتي كان الملف السوري حاضرا في صلبها، إن لم يكن حدثها الأبرز. وما جاء على لسان براك في ذلك الحوار، كان كفيلا بإثارة حفيظة الكثيرين ممن وجدوا في أحداث آذار وتموز الدامية، التي شهدها الساحل والسويداء على التوالي، فرصة لإنعاش آمالهم بإقامة «إمارة» هنا وأخرى هناك، استنادا أولا إلى حال الاحتقان التي تعاظمت في أعقاب تلك الأحداث، وثانيا إلى دعم خارجي بات من المؤكد بعد حديث براك، أنه أضحى اسرائيليا صرفا، من دون أن يعني ذلك «تخوينا» للكل.
فالبعض من السوريين كان قد ارتأى أن «تقاطع المصالح» الذي قد ينشأ مع «الخصم» عن بُعد دون تنسيق معه، لا يعني بالضرورة كسرا للـ«المحرم» الوطني، وعلى الرغم من أن هذا المنطق الأخير فيه الكثير مما يشوبه، إلا أن تيارات وقوى لا بأس بها كانت قد أظهرت ميلا لتبنيه وتأييده، وإن كان بشكل غير معلن، حيث أشار بعض «منظري» تلك التيارات إلى ضرورة أن يكون هكذا نوع من الخطاب موجها إلى «خاصة الخاصة»، يعني الدائرة الضيقة القادرة على استيعاب قاعدة «الضرورات تبيح المحظورات» بشكل «إيجابي»، وفقا لهؤلاء.
وقد عرض المبعوث براك في خلال حديثه للتصورات التي تتبناها إدارة ترامب حيال صورة سوريا المستقبلية، أقله على المدى القريب، وفي ذاك ذكر براك أن «إدارة الرئيس ترامب تريد السلام والازدهار للجميع، وترى أن الإملاءات الاستعمارية فشلت خلال ال 100 عام الماضية». كما توقع المبعوث الأميركي أن تحدث عملية «إعادة هندسة للحكومة السورية الحالية قبل نهاية العام الحالي، لتكون مركزية وشاملة»، مشيرا إلى أن «واشنطن لا ترى في الفيدرالية حلا مناسبا لسوريا الجديدة».
وعلى الرغم من أن براك حاول أن يضع الدور الذي يمارسه في إطار «التوجيه والنصح» عبر القول إن «واشنطن لا تملي على السوريين شكل النظام السياسي الذي سوف يقيمونه»، وإنها «تساهم في التوجيه والمساعدة، ولا تعمل على فرض نموذج أميركي أو أوروبي على السوريين»، لكنه يدرك إن السوريين، حكومة وتيارات وقوى فاعلة على الأرض، سوف يدركون اتجاه «الرياح» المرغوبة أميركيا، ويدركون أيضا صعوبة التفكير في معاندتها، أو محاولة السير بعكسها، خصوصا ان القواعد التي يستندون إليها هي غاية في الهشاشة، ويلزمها إذا أرادت الاستمرار في صورتها النشطة، الحصول على المزيد من الدعم والإسناد الخارجيين.
قد تكون الطريقة التي تناول بها المبعوث براك مسألة «الفيدرالية» هي أهم ما جاء في حديثه، خصوصا أنها جاءت على نحو توافقي للنظرة التي تتبناها الحكومة السورية الراهنة حيال تلك المسألة، حيث تبدي هذه الأخيرة رفضها لأي شكل من أشكال «اللامركزية السياسية»، وتبدي قبولا وانفتاحا على تطبيق «اللامركزية الإدارية» بشكل موسع أيضا. وقد ذكر قتيبة إدلبي، مدير الشؤون الأميركية في الخارجية السورية، في مقابلة له شهر تموز الفائت، ان «لا مشكلة لدى الحكومة السورية في موضوع اللامركزية الإدارية»، وأضاف «مشكلة المركزية في سوريا لم تكن مشكلة قانونية، بل هي مشكلة سياسية».
ومن الواضح هنا، أن ثمة تناغما كبيرا بين التصريحات التي أدلى بها المبعوث براك وبين نظيرتها عند المسؤولين السوريبن، ولعل تلاقي الطرفين عند هذه النقطة، والثبات عليها، لن يحدد ملامح سوريا المستقبلية فحسب، بل وملامح المنطقة بأسرها. ولعل ما قاله ماركو روبيو وزير الخارجية الأميركي، أمام اجتماع ضم العديد من وزراء خارجية دول عربية وإسلامية يوم 24 أيلول، وجاء فيه إن «استقرار سوريا يحدد بطرق عديدة استقرار المنطقة بأسرها»، كاف لتأكيد الدور «المفتاحي» للجغرافيا السورية، التي شكلت منذ نحو قرن مسرحا لمجمل التطورات والتحولات الجارية في المنطقة الممتدة ما بين العراق ومصر، وإن انفراط عقد تلك «الساحة» سوف يؤدي إلى زعزعة استقرار تلك المنطقة من أقصاها إلى أقصاها، إن لم يؤد إلى تفكك محتمل لكياناتها على طريقة تساقط «أحجار الدومينو».
ولعل «الآلية» التي طرحها المبعوث براك لتحقيق تلك الرؤيا، والتي تقول إن «الحكومة السورية ستعترف برغبة كل أقلية في احترام شعائرها الدينية، وخصائصها الثقافية»، مضيفا أن «الأمر يتطلب هندسة سياسية تفضي إلى تصميم حكومة مركزية لا تتحول إلى فيدرالية، وتمنح هذه المكونات حقها وفرصتها»، تبدو كافية لوضع «العربة» على سكتها الصحيحة، أقله في لحظة «الإقلاع»، التي تمثل المرحلة الأصعب في مسيرها الذي سيكون طويلا، لكن العبرة تبقى في التنفيذ.
ولعل الدعم الذي أبداه براك تلميحا لتشكيل حكومة سورية جديدة وشاملة قبل نهاية هذا العام، من شأنه أن يثير الكثير من التساؤلات حول قدرة الولايات المتحدة على تحقيق توافقات كبرى بين جميع الأطراف السورية، وهذا لن يحدث إلا عبر تحقيق توازن دقيق بين «طمأنة الأقليات»، وبين تهدئة «هواجس الأغلبية» التي قد تنجم عن احتمال فقدانها للسلطة من جديد، تماما كما كان حالها على امتداد العقود الستة المنصرمة، أقله من منظور هذه الأخيرة الذي يمكن لحظه على سلوكياتها المعلنة والمستترة في آن.
الأكثر قراءة
عاجل 24/7
-
07:35
الوكالة الوطنية للإعلام: هيئات الدفاع المدني دعت النازحين إلى عدم الاستعجال بالعودة وحذرت من الاقتراب من أماكن الغارات
-
07:24
حركة_المرور كثيفة على الطريق البحرية من انطلياس باتجاه الكرنتينا
-
07:24
حركة المرور كثيفة على اوتوستراد الرئيس الهراوي باتجاه الاشرفية
-
07:24
حركة_المرور كثيفة على اوتوستراد المتن السريع باتجاه الاوتوستراد الساحلي نهر_الموت
-
07:17
حركة_المرور كثيفة على اوتوستراد الضبية باتجاه انطلياس وصولا الى الزلقا
-
07:06
"سي إن إن" عن مصادر: ترامب أبلغ مستشاريه أنه لن يوقع أي اتفاق تقدم فيه الولايات المتحدة أموالاً مباشرة لإيران
