قبل ثلاث سنوات، كان الذكاء الاصطناعي نجم المشهد التقني. فمع إطلاق ChatGPT أواخر عام 2022، اجتاحت موجة من التفاؤل العالم، وروّجت وسائل الإعلام لفكرة "العقل المساعد" الذي سيحرّر الإنسان من الرتابة اليومية. بدا وكأننا على عتبة عصرٍ تُختصر فيه المهام وتُصقل القرارات وتُفتح أمام الإبداع منافذ جديدة، من قاعات الدرس إلى مكاتب الشركات ومن غرف التحرير إلى مختبرات البحث. لكن في عام 2025، بدأ المشهد ينقلب. بدت الثقة تتراجع، وارتفعت الأسئلة القلقة: هل ستبقى الآلة في خدمة الإنسان، أم سنصبح أدوات في خدمتها؟ ماذا يعني أن تتسلّل الخوارزميات إلى الخبر والرأي والقرار والعمل؟ وهل يظلّ التقدّم تقدّمًا حين يصبح الحضور الاصطناعي مفروضًا لا مختارًا؟ هذه الأسئلة لم تأتِ من فراغ، بل جاءت نتيجة تحوّلٍ عميقٍ في المزاج العام، وثّقته سلسلة من المقالات والدراسات الصادرة بين آب وتشرين الأول 2025، كشفت جميعها عن انبهارٍ يتراجع أمام قلقٍ يتصاعد.
في مقالٍ نشرته صحيفة ( The Washington Post 7 تشرين الأوّل 2025) بعنوان "الأميركيون أصبحوا أكثر تشاؤمًا بشأن الذكاء الاصطناعي. لماذا؟ (Americans have become more pessimistic about AI. Why?) تشير شيرا أوفيد (Shira Ovide) إلى تحوّل في المزاج الأميركي استنادًا إلى استطلاعات Pew Research التي أظهرت أنّ نصف البالغين باتوا أكثر قلقًا من حماسهم تجاه الذكاء الاصطناعي، مقابل 38% عام 2022 قبل إطلاق ChatGPT . وترى أنّ السبب الرئيس هو فقدان الشعور بالسيطرة وتضخيم الوعود التقنية، مع تزايد الشكّ في دقّة ملخّصات غوغل الذكية (AI Overviews) ومخاوف من تهديد الوظائف والعلاقات الإنسانية وفرض التقنية داخل التطبيقات ومحركات البحث وبيئات العمل. وتحدّد "أوفيد" أربعة أسباب لهذا التشاؤم: الاستقطاب الاجتماعي (حسب Katie Harbath مؤسّسة Anchor Change)، وردّ الفعل على المبالغات التقنية ( حسب Gabriel Weinberg، المدير التنفيذي لـDuckDuckGo)، والقلق على العلاقات والهوية الإنسانية ( حسب Eileen Yam من Pew Research)، وغياب حرية الاختيار حين تُستخدم الأدوات الذكية على المحتوى دون إذن. وتختتم: «الذكاء الاصطناعي لم يعد قطار المستقبل، بل قطارًا لا يمكن إيقافه… والمشكلة أن كثيرين لم يشتروا تذاكرهم بإرادتهم». ويؤكّد هذا الاتجاه تقرير Pew Research Center ( 1 تشرين الأوّل 2025) بعنوان " الأميركيون لديهم مشاعر متباينة حيال الملخّصات بالذكاء الاصطناعي في نتائج البحث" (Americans have mixed feelings about AI summaries in search results)، الذي وجد أن 20% فقط يرون هذه الملخّصات «مفيدة جدًا»، مقابل ثقة محدودة في دقّتها وموثوقيتها.
كما رصدت صحيفة The Guardian (11 تشرين الأوّل 2025 ) في مقالٍ بعنوان " استخدام كلمة نابية في بحث غوغل يمكن أن يوقف الإجابة بالذكاء الاصطناعي. ولكن هل ينبغي أن تفعل ذلك؟" (Using a swearword in your Google search can stop the AI answer. But should you?) ظواهر " تعب الذكاء الاصطناعي"، مثل استخدام كلمات نابية لتعطيل الملخّصات الذكية في بحث غوغل، ما يشير إلى رغبةٍ متزايدة للمستخدمين في استعادة السيطرة على تجربتهم الرقمية. وقد سبق ذلك تقرير Tom’s Guide ( 6 تشرين الأوّل 2025) بعنوان " سئمت من ملخّصات غوغل الذكية؟ هذا الامتداد الماكر يمحوها تمامًا" (Tired of Google’s AI Overviews? This clever browser extension wipes them out completely)، الذي تناول أداة “Bye Bye, Google AI” المصمّمة لإخفاء طبقات الذكاء الاصطناعي من نتائج البحث عبر CSS، اعتُبر تعبيرًا عن احتجاجٍ رقمي على الحضور الطاغي للخوارزميات لدى المستخدمين.
وفي استطلاعٍ لوكالتي رويترز/إبسوس (Reuters/Ipsos) بتاريخ 19 آب 2025 بعنوان " الأميركيون يخشون أن يزيح الذكاء الاصطناعي العمال بشكل دائم" (Americans fear AI permanently displacing workers)، عبّر الأميركيون عن قلقٍ بنيويٍّ عميق من آثار الذكاء الاصطناعي: 71% يتوقعون خسارة دائمة لعدد كبير من الوظائف، و77% يخشون استغلال التقنية- خاصة التزييف العميق- في التضليل السياسي ونشر الأكاذيب. كما يعارض 48% استخدامها في العمليات العسكرية، و61% قلقون من استهلاك الطاقة في مراكز البيانات، فيما يخشى نحو ثلثَي المستجيبين تدهور العلاقات البشرية أو استبدالها تدريجيًا. وتبرز المفارقة في أن هذا القلق يتصاعد رغم انخفاض البطالة إلى 4.2%، ما يعكس إدراكًا لتحوّلٍ هيكليٍّ عميق في سوق العمل والنسيج الاجتماعي معًا.
ويعزّز هذا الاتجاه تقرير غالَب وجامعة بنتلي (Gallup & Bentley University) الصادر في 9 أيلول 2025 بعنوان "الثقة في استخدام الشركات للذكاء الاصطناعي تتحسّن قليلًا" (Trust in Businesses’ Use of AI Improve Slightly)، الذي أظهر أنّ 31% فقط من الأميركيين يثقون بأن الشركات ستستخدم الذكاء الاصطناعي بمسؤولية- ارتفاعًا من 21% عام 2023 - فيما تبقى الغالبية متحفّظة. ويفصّل التقرير نسب الثقة: 3% يثقون كثيرًا، و28% إلى حدٍّ ما، مقابل 69% لا يثقون بدرجات مختلفة، كاشفًا فجوةً حادّة بين طموحات السوق وثقة الجمهور. ويؤكد التقرير استمرار المخاوف من تقليص الوظائف، مع دعواتٍ إلى حوكمةٍ أوضح وشفافيةٍ أكبر وخيارات تحكّم وانسحاب للمستخدمين لترميم الثقة بين الجمهور والشركات.
وفي 6 تشرين الأوّل 2025 ، أكّدت منصّة أكسيوس (Axios) في تقريرها بتاريخ بعنوان "الذكاء الاصطناعي قد يمحو مئة مليون وظيفة في الولايات المتحدة، بحسب تقرير ديمقراطي في مجلس الشيوخ (AI could erase 100 million U.S. jobs, Senate Dem report finds) أنّ الخطر لم يعد نظريًا، إذ يحذّر تقرير الكتلة الديمقراطية في مجلس الشيوخ من أنّ الذكاء الاصطناعي والأتمتة قد يطيحان بنحو 100 مليون وظيفة خلال العقد المقبل، مع تأثيرٍ يمتدّ من الأعمال اليدوية إلى الوظائف المكتبية والمهن الحرّة تحت ضغط خفض الكلفة وتعظيم الأرباح. ويبرز التقرير انقسامًا سياسيًا حادًّا: فبينما يدعم الجمهوريون تقليل القيود، يدعو الديمقراطيون إلى تشريعاتٍ وقائية تشمل أسبوع عمل من 32 ساعة، وتقاسم الأرباح، وفرض "ضريبة الروبوت" لتوزيع المنافع بعدالة. وتربط أكسيوس هذه النتائج بتصاعد التشاؤم الشعبي في الاستطلاعات الأخيرة، إذ يرى كثيرون أن سوق العمل الأميركي على أعتاب تحوّلٍ بنيويٍّ عميق لا يملك الجميع أدوات التكيّف معه.
وفي الاتجاه ذاته، نشر معهد رويترز للدراسات الصحفية في جامعة أكسفورد (7 تشرين الأوّل 2025) تقريرًا بعنوان "الذكاء الاصطناعي التوليدي والإعلام 2025: كيف ينظر الناس إلى دوره في الصحافة والمجتمع" (Generative AI and News Report 2025: How People Think About AI’s Role in Journalism and Society)، أظهر أن الجمهور يقبل الذكاء الاصطناعي كمساعدٍ للصحفي لا كبديلٍ عنه، مطالبًا بوسومٍ واضحة تُظهر متى وكيف تدخّلت الخوارزمية في إنتاج المادة. وشدّد التقرير على ضرورة المراجعة البشرية والشفافية التحريرية، كاشفًا أزمة ثقة معرفية متنامية: لم يعد السؤال «من كتب؟» فحسب، بل أيضًا «من صاغ الفكرة؟ وبأي أدوات؟".
وعلى المستوى العالمي، قدّم معهد ستانفورد للذكاء الاصطناعي الإنساني في تقريره السنوي "مؤشر الذكاء الاصطناعي 2025" (AI Index 2025) الصادر في أيلول 2025، صورةً مكثفة لتحوّل المزاج الدولي: ثلثا سكان العالم يتوقّعون تأثيرًا قويًا للذكاء الاصطناعي خلال 3 إلى 5 سنوات (+6 نقاط منذ 2022)، مع قفزات لافتة في كندا (+17%) وألمانيا (+15%). وتُظهر النتائج تفاؤلًا آسيويًا بوصف التقنية فرصةً اقتصادية، مقابل حذرٍ أوروبي وأميركي شمالي يطالب بضوابطٍ أخلاقية وتشريعية. وخلاصته: العالم ينتقل من الانبهار إلى الحذر، ومن الاحتفاء بالابتكار إلى الدعوة لحوكمةٍ تُبقي التقنية في خدمة الإنسان
إذن، لسنا إزاء سؤالٍ عن كفاءة آلةٍ جديدة بقدر ما نحن أمام امتحانٍ لطريقة عيشنا مع المعرفة والسلطة والعمل. ما تكشفه هذه الشواهد ليس موجة ذُعر عابرة، بل انتقالٌ من الانبهار إلى وعيٍ نقدي يطالب بثلاثة أمور واضحة: أولًا، شفافيةٌ لا لبس فيها تُظهر متى وأين تتدخّل الخوارزميات في قراراتنا ومعلوماتنا. ثانيًا، حقٌ أصيلّ في الاختيار والانسحاب من الطبقات الذكية المفروضة، بحيث لا يصبح استعمال الذكاء الاصطناعي قدرًا تقنيًا لا فكاك منه. وثالثًا، حوكمةٌ عامة تربط الابتكار بمساءلةٍ دائمة، من قاعة التحرير إلى المصنع، ومن المدرسة إلى البرلمان.
ومع ذلك، تبقى الحقيقة الأعمق أن الذكاء الاصطناعي لن يُحسِن تدبير حياتنا ما لم نُحسِن نحن تدبير علاقتنا به: تعليمٌ يُنمّي التفكير النقدي لا الاتكال الآلي؛ سياسات عملٍ تُوزّع عوائد الإنتاج بدل أن تُعمّق الإقصاء؛ ومعايير أخلاقية تجعل الإنسان غاية التقنية لا وسيلتها. الذكاء الاصطناعي لم يعد مرادفًا للتقدّم، بل صار موضوعًا للمساءلة. لم تعد القضية في قدرته على التفكير، بل في حدود سلطته على الإنسان. لقد تحوّل السؤال من "هل تستطيع الآلة أن تفكّر؟" إلى "هل ما زال الإنسان يفكّر بحرّية؟". هنا يصبح السؤال خاتمةً وبدايةً معًا: هل سنعرف كيف نضع القواعد قبل أن تسبقنا الخوارزميات؟ وهل سيبقى الذكاء الاصطناعي أداةً في يد الإنسان، أم سيصبح الإنسان أداةً داخل منظومته؟ هل نقدر أن نُبطئ الآلة بالقدر الذي يتيح للقانون والأخلاق أن يلحقا بها؟ هل نملك الشجاعة لنُعلن حدودًا تُبقي القرار الأخير إنسانيًا وإن استعان بالآلة؟
وأيُّ مستقبلٍ نريدُ حقًّا: مستقبلٌ نستخدمُ فيه الذكاءَ الاصطناعيَّ، أم مستقبلٌ يستخدمُنا فيه الذكاءُ الاصطناعيُّ؟
الأكثر قراءة
عاجل 24/7
-
00:14
انتهاء اليوم الأول من الجلسة الخامسة للمفاوضات اللبنانية - الاسرائيلية في وزارة الخارجية الأميركية، ومعلومات دبلوماسية تشير الى عدم حصول اختراق في المحادثات
-
23:52
سلطنة عمان: على السفن الراغبة بالعبور من مضيق هرمز التنسيق مع المنظمة البحرية الدولية
-
23:50
سلطنة عمان: الممر البحري المؤقت من هرمز متاح لجميع السفن
-
23:46
واللا عن مصدر أمني: "إسرائيل" قلقة لاحتمال أسر جنود بكفرتبنيت بلبنان لمقايضتهم بعناصر حزب الله المحاصرين بالأنفاق
-
23:45
واللا عن مصدر أمني: الجنود الإسرائيليون تلقوا تعليمات بالتحرك ضمن مجموعات ثنائية وثلاثية لحماية أنفسهم
-
23:42
سلطنة عمان: عملنا على توفير ممر بحري مؤقت من هرمز بالتنسيق مع المنظمة البحرية الدولية
