حين أعلنت وزارة التربية والتعليم العالي، انطلاق التقييم التشخيصي الوطني الموحّد لصفوف التعليم الأساسي والثانوي k بمشاركة 950 مدرسة وثانوية و66 ألف تلميذ. بدا كأنه انطلاقة لمشروع إصلاحي، يستند إلى البيانات لقياس الفاقد التعليمي بعد خمس سنوات من الانقطاع، ووضع المدرسة الرسمية على سكة التخطيط العلمي، بدل الارتجال القائم على الانطباعات والمزاج. كان البيان واعدا: «تشخيص الفاقد»، «استراتيجيات دعم مبنية على الأدلة»، «تغذية راجعة تحمي التلميذ من الامتحانات العقابية». على الورق، انسجم المشروع مع أدبيات الإصلاح التربوي حول التقييم البنائي، برؤيةٍ طموحةٍ تنقل التعليم من ثقافة الامتحان إلى ثقافة التقويم البنائي، ومن التقييم العقابي إلى البنّاء.
لكنّ الميدان قدّم روايةً صادمة: أوراق بيضاء بعد دقائق، رسومات ساخرة، أسئلة من دروس محذوفة أو منسوخة من دورات سابقة، أخطاء وفروع غير مترجمة، أساتذة محتجّون وطلاب في تجربةٍ لا يفهمون غايتها، تعليقات وردود غاضبة من المعلمين.
مرآةٍ لفقدان الثقة
بين الخطاب الإصلاحي والممارسة المرتبكة، وُلدت مفارقة: إصلاحٌ يُفترض أن يشخّص الداء فإذا به يفاقمه. ما أُريد له أن يكون "امتحانًا للفاقد التعليمي"، تحوّل إلى مرآةٍ لفقدان الثقة، وحدثٍ تربويٍّ كشف خللا أعمق في المنظومة وشرخا بين الميدان والوزارة، لخصه أحد الأساتذة: «أرادت الوزارة تقييم التلامذة، فانكشف أنّ المنظومة كلّها تحتاج إلى تقييم". فهل فشل المشروع لسوء الفكرة أم لارتجال التنفيذ؟ أكان خطوة في طريق الإصلاح أم استعراضا تربويا فقد معناه عند أول اختبار للواقع؟ وهل يجوز لنظامٍ مأزوم أن يقيس أبناءه بأدواتٍ لم تُختبَر صلاحيتها؟ بل كيف يُقاس الفاقد بآلياتٍ تغفل التحفيز والدافعية لدى المتعلّم؟ ومن يقيّم المقيّمين قبل أن يُقاس بهم المتعلمون؟
لا يمكن إنكار النوايا الإصلاحية للوزارة وللوزيرة تحديدا. ففكرة «التقييم التشخيصي» منسجمة مع أفضل نظريات التقييم البنائي، بكونه عملية مستمرة للتغذية الراجعة، ترصد الثغرات وتبني دعما تعليميا، لا أحكاما نهائية. ويؤكد Black & Wiliam وBloom وVygotsky أن يكون التشخيص موجّها، متدرّجا، صفّيا، وفوريّ التطبيق. غير أنّ المشكلة أن الوزارة أخذت بالشكل ونسيت المضمون: بدل أن يكون التقييم أداة بيداغوجية تشاركية لفهم المتعلّم وتوجيهه، تحوّل إلى امتحانٍ مركزي أشبه بنسخة مصغّرة من الشهادات الرسمية. وفق OECD، التشخيص «أداة فهم تربوي تشاركي تُدار داخل الصف لتوجيه التعلّم»، بينما في لبنان فُرِّغ من بعده التشاركي والتحفيزي، وانتقل من فعل بناءٍ إلى فعل مراقبة. وهنا وقع الخلط بين التقييم البنائي، الذي يقيس التقدّم ويدعم التعلّم، والتقييم الإحصائي لإعداد التقارير، فإذا استُخدم الثاني مكان الأول خرجت أرقامٌ وبياناتٌ لا تُبنى عليها سياسات.
«إهانة للتعليم الرسمي»
ردود فعل المعلمين كانت أبلغ من أي بيان. كتب أحدهم: «الامتحان التخريبي اسمو». لم تكن سخرية عابرة، بل مقاومة رمزية كما يصفها بورديو: حين تنهار الثقة بالمؤسسة، يُستخدم الهزل لهدم هيبتها والاحتجاج على خلل السلطة. تحوّل الامتحان إلى مرآة لاحتقانٍ عميق بين الوزارة والمعلمين، وإلى ثورة صامتة داخل القاعات.
كثيرون وصفوا التجربة بأنها «إهانة للتعليم الرسمي» و«سقطة تربوية». قال أستاذ: «كنت مع الفكرة، لكن بعد رؤية مسابقة الفيزياء المنسوخة من دورة 2017 وبأسئلة محذوفة، تبيّن أنها نسخ ولصق لا تشخيص علمي». وأضاف آخر: «الوزارة أضاعت البوصلة وعمّمت الفوضى». ووفق معايير الجودة التعليمية (QA)، ما حدث انتهاكٌ لمبدأ الصلاحية (Validity): أداة القياس لم تقِس ما وُضعت لقياسه، ففقدت قيمتها التربوية والرمزية. وكتبت معلمة: «القرار يجب أن يُتخذ قبل بدء العام، لا بعده. التلامذة ضاعوا بين معارف قديمة وجديدة في منهجٍ تلقيني؛ فكيف يُطلب منهم تذكّر ما لم يُبنَ تدريجيًا؟». هذا ما يسميه ديلان ويليام Dylan Wiliam: "وهم القياس الدقيق": خلطُ جمع الأرقام بفهم الواقع؛ فنظن أن وجود البيانات يعني وجود معرفة، بينما الحقيقة، أنّ الأداة غير الصالحة لا تُنتج إلا ضجيجًا إحصائيًا بلا معنى تربوي.
إفراغ التقييم من معناه الإحصائي والتربوي
من منظور علم النفس التربوي، لا ينجح أي تقييم بلا مناخٍ إيجابي. وفق Ryan & Deci (2000) تقوم الدافعية الذاتية للتلميذ على ثلاثية: الجدوى، الكفاءة، والانتماء. في التجربة اللبنانية سقطت جميعها: غابت الجدوى لأن الامتحان لا يُحتسب ولا يتبعه دعم، وتراجعت الكفاءة لأن الأسئلة شملت دروسا ملغاة أو غير مُدرّسة، وتبخّر الانتماء لإقصاء المعلّمين عن التحضير واقتصار دورهم على التنفيذ. لذا فقد التقييم معناه النفسي والتربوي، فانعكس في سلوك التلامذة الذين سلّموا أوراقهم بيضاء أو كتبوا تعليقات ساخرة، لم يتمرّدوا على المعرفة، بل على غياب المنطق. قالت معلمة: «غالبية الطلاب سلّموا أوراقهم سريعا، بلا حافز ولا فهم للهدف. بدا الامتحان لهم "كإجراء إداري لا تربوي». تُظهر نظرية الدافعية أن غياب الجدوى والمكافأة يخفض الاستجابة إلى الحدّ الأدنى. ويؤكد كانيمان في نظرية "العائد الفوري"، أن المراهق لا يبذل جهدا بلا مردود، وعندما يعلم أن الامتحان لا يُحتسب، تنخفض الجدية وتتشوّه النتائج، فيفرغ التقييم من معناه الإحصائي والتربوي. كما يحتاج التلامذة الخارجون من أزماتٍ ومناهج مضطربة إلى استقرارٍ معرفي تدريجي، لا مفاجآت تقييمية. ووفق نظرية فيغوتسكي Vygotsky عن منطقة النمو القريب (ZPD)، يجب البناء على ما يعرفه المتعلّم، لا اختباره فيما نُسي أو لم يُدرَّس؛ وإلّا تولّد القلق والانفصال المعرفي.
هكذا، تحوّل التقييم من أداة لقياس الفاقد إلى مولّدٍ لفاقدٍ جديد في الجدية والانتماء، فكشف أزمة الثقة والتحفيز، الجرح التربوي الأعمق. على مستوى الحوكمة، برزت فجوةٌ بين الوزارة والهيئات التعليمية. وفق نماذج OECD (2018)، يُبنى التقييم الناجح على المشاركة والشفافية والمساءلة، لكن الوزارة تحدثت بلغة الإصلاح من فوق، والأساتذة ورابطتهم صرخوا بلغة الاختناق من تحت، والطالب بقي في المنتصف بلا بوصلة. وُضعت الأسئلة مركزيا، فُرضت على المدارس مع أعباء مادية ولوجستية، وطُلب من المعلمين التنفيذ من دون تدريبٍ أو تجريبٍ أولي (pilot). هكذا تحوّل المشروع من تقييمٍ تشخيصيّ إلى إجراءٍ إداريّ، ومن فرصةٍ للإصلاح إلى دليلٍ على الانقطاع المؤسسي، فضاعت الشراكة، وتآكلت الثقة، وصار الامتحان عبئًا تنظيميًا لا مشروعًا معرفيًا.
مقارنة دوليّة
بيان رابطة أساتذة التعليم الثانوي كان ردّا متوازنا، حازما ومنصفا: وصف التقييم كنشاطٍ شكليٍّ بلا جدوى وهدرٍ للوقت، وأدان إقصاء الأساتذة عن المشاركة في إعداد التقييم. فحين تُستبعد القوى التربوية من التصميم، تفقد الوزارة حليفها الطبيعي في الإصلاح. وهنا تتجلّى أزمة مزمنة للحوكمة التربوية اللبنانية: إصلاحات تُبنى في المكاتب لا في الصفوف، تُقاس بالخطاب لا بالفعل، وتُدار بمنطق «نفّذ ثم ناقش» بدل «شارك ثم قرّر». قالت معلمة: «الكل يرمي المسؤولية على الآخر، لكن ما حدث ليس مزحة. شعرنا بإهانة للتعليم الرسمي، ولو في بلدٍ يحترم نفسه لكانت محاسبة». هذه العبارة لا تعبّر فقط عن غضب مهني، بل عن انهيار عقد الثقة الأخلاقي بين الوزارة والميدان، وانتهاكٍ لما تسميه اليونسكو (2021) «أخلاقيات الحوكمة التربوية»، أي إنّ أي مشروع إصلاحي يفقد شرعيته الأخلاقية حين يُنفَّذ دون عدالة تنظيمية واعتراف مهني ومساءلة شفافة. إصلاحٌ كهذا لا يبني تعليما، بل يولّد نفورا مؤسسيا يصعب ترميمه.
في المقارنة الدولية، تبدو المفارقة فادحة. في فنلندا يُجرى التقييم التشخيصي داخل الصف بإشراف المعلم في الأسبوع الثاني من العام، وتُستخدم نتائجه فورًا لتعديل الدروس. في كندا، تُدار العملية عبر شبكاتٍ تشاركية تتقاسم النتائج وتحللها. في سنغافورة، يتم التقييم رقميًا بمنصات تحليل فوري لتصحيح المسار في الوقت الحقيقي، أما في الأردن (2022)، فأنجزت وزارة التربية، بدعم اليونسكو، تقييمًا بعد الجائحة شمل القراءة والرياضيات وأصدرت نتائجه خلال أسبوعٍ واحد مع خطط دعمٍ محلية ولوحات متابعة تفاعلية. ما يجمع هذه النماذج ثلاثة عناصر غابت عن التجربة اللبنانية: تحضير الميدان وتدريب الأساتذة، تجريب الأداة قبل تعميمها، وتغذية راجعة فورية للمدرسة والتلميذ لا بيانات تُرفع إلى الوزارة. في لبنان، كان التقييم شاملًا لا تمثيليًا، بطيئًا لا تفاعليًا، مركزيًا لا تشاركيًا. الفارق لم يكن في الموارد، بل في العقل المؤسسي الذي يدير التعليم كعلمٍ تشاركي لا كقرارٍ فوقي.
فاقد الثقة أخطر من فاقد المعرفة
كي لا تتحول النية الحسنة إلى فشل جديد، ينبغي وقف تعميم النتائج مؤقتا وتدقيق صلاحية الأدوات والبيانات، إشراك المعلمين في تصميم الاختبارات، اعتماد عينات تمثيلية بدل تعميم الامتحان على جميع المدارس، تحويل التقييم إلى نشاط صفّي مرن بتغذية راجعة فورية، تعويض الأساتذة إداريًا وماديًا، ونشر منهجية العمل والنتائج بشفافية افساحًا بالمجال للمساءلة. هذه الخطوات لا تحتاج تمويلًا خارجيًا بل إرادة إصلاح تتجاوز الاستعراض إلى الفعل. رادت الوزارة قياس الفاقد التعليمي فوجدت نفسها أمام امتحان للثقة.
أثبتت التجربة أنّ فاقد الثقة أخطر من فاقد المعرفة، وأن الإصلاح يبدأ بثقافةٍ جديدة في إدارة القرار: من يؤلّف؟ من يراجع؟ من يُحاسَب؟ من دون شراكة حقيقية تغدو الأرقام وهما دقيقا يخفي خللا عميقا. أصبح السؤال اليوم عن نتائج المنظومة لا أوراق الطلاب: كيف يمكن لوزارةٍ لم تجرّب أدواتها أن تبني سياسات على بياناتها؟ من يقيّم المقيّمين حين تصير الورقة مرآة تكشف الخلل؟ إنّ التقييم التشخيصي، رغم عثراته، فرصة للتفكير في العدالة التربوية والحوكمة والمساءلة، فالإصلاح يبدأ بتشخيص المنظومة قبل المتعلّم، حين يصبح التقييم سؤالًا في الضمير الوطني لا مجرد امتحانٍ في دفتر المدرسة.
باحث تربويّ
يتم قراءة الآن
-
خشية من حرب أميركيّة - إيرانيّة تشعل المنطقة لبنان يضغط لتطبيق «المناطق التجريبيّة» هذا الأسبوع
-
بالصور: ممثلة أفلام إباحية عالمية من أصول سورية..فمن هي؟
-
العائلات اللبنانيّة... رحلة في جذور التاريخ (آل الخازن) 1 الخازنيّون عرب غسّانيّون حكموا كسروان بعد عودة فخر الدين من توسكانا من مُراسلات الأمير الى سفير فرنسا : كأنهم إخوتي من لحمي ودمي ومن أبناء مذهبي
-
ترامب يكشف تفاصيل مكالمته الأخيرة مع غراهام قبل وفاته
الأكثر قراءة
عاجل 24/7
-
00:06
ترقبوا نصف نهائي كأس العالم بين فرنسا وأسبانيا الثلاثاء الساعة العاشرة مساء بتوقيت بيروت
-
00:03
تفجير كبير في كونين
-
23:59
"إيه بي سي" عن رسالة ترامب إلى الكونغرس: الضربات على إيران ستكون محدودة ومدروسة ومخططاً لها وسننفذها بأسلوب يهدف إلى الحد من الخسائر في صفوف المدنيين
-
23:58
التلفزيون الإيراني نقلا عن الجيش: استهداف سفينة أميركية "معادية" بصواريخ كروز
-
23:53
الجيش الإيراني: استهدفنا أنظمة اتصالات وخزانات وقود ومنظومة باتريوت وبرج مراقبة ومستودع ذخيرة للجيش الأميركي في الكويت
-
23:43
الحرس الثوري الإيراني: دفاعاتنا الجوية أسقطت مسيرة أميركية من طراز إم كيو 1 في مضيق هرمز
