بالأشهر الأولى للإجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، كان المُحتل يعتمد طريقتين للقاء بعض فعاليات المنطقة التي احتلها:
- الأولى: إرسال وسطاء من أجل التعاون مع الفعاليات "بعضهم كان يقبل بدافع الخوف أو الوجاهة".
- الثانية: التعامل بشكل مباشر، أي أن يأتي "الضابط الإسرائيلي" شخصياً للقاء بعض الشخصيات.
هذه قاعدة الإحتلال، وهذا ما حاول تطبيقه في مدينة صور، وأيضاً مِن طرق محاولات الإحتكاك المباشر بفعاليات منطقة صور.
عادة عندما كان العدو الإسرائيلي يريد إطلاق سراح أسير كان يُطلقه بطريقتين:
1- إما تركه في الطريق.
2- أو عبر عملاء كانوا يُعتبرون من وجهاء المنطقة، وتعاملوا مع الإسرائيلي بحيث كان يُسمى الواحد منهم وقتها "عميل وجيه".
أما مع الشيخ راغب حرب صاحب عبارة: "الموقف سلاح والمصافحة اعتراف"، فكانت الطريقة مختلفة بإطلاق سراحه، فقد سلّمه "الإسرائيلي" في مكتب السيدة رباب الصدر، التي لم تترك مدينة صور بحُكم منصبها الإجتماعي ودورها، باعتبار أنها شقيقة السيد موسى الصدر، الذي أدرك باكراً الخطر الإسرائيلي، وأطلق عبارته الشهيرة "إسرائيل شر مطلق والتعامل معها حرام".
هذا الموقف هو موقف عقائدي عند الشيعة، تتفق عليه كل المرجعيات الدينية، فلو اعترف الكون كلّه بـ "إسرائيل"، لم ولن يعترفوا. فعندما سُئل السيد الصدر قال: "البعض يأخذ قراره من الأرض، وأنا آخذ قراري من السماء، فأنا لا أستطيع مصالحة إسرائيل".
فالمُعطى الفقهي وعلى مستوى الحُكم الشرعي، كل علماء الشيعة في إيران والعراق ولبنان منذ عام 1936، أصدروا فتاوى تُحرِّم الإعتراف والتعامل مع "إسرائيل". فهناك إجماع عند هذه المراجع أن موضوع "إسرائيل" لا يمكن لأحد أن يتجاوزه، لذا فإن التجربة تقول وتُثبِت أن أي أحد ممن كانوا يُعتبرون مِن وجهاء الشيعة أو فعاليات الشيعة، يتعاطى مع "إسرائيل" ولو بحجة الدفاع عن الشيعة، كان يَسقط إما بإغتيال أو بنفي نفسه، أو بتغُييبه عن المشهد الإجتماعي الشيعي، حتى ولو كان رجل دين، فإذا لم يأخذ الموقف الحاسم والواضح من "إسرائيل" لا أحد يتعامل معه.
فأي سياسي شيعي يريد أن يعترف أو يوقِّع اتفاقاً مع "إسرائيل" يَسقط وتسقط عنه الحصانة الشرعية، بحيث ليس هناك أي إمكانية بأخذ فتوى بالإعتراف "بإسرائيل" عند الشيعة. فهذا موقف مبدئي وديني، فلا بالبُعد الديني ولا بالسياسي ولا بالتجربة يمكن تغيير هذه الحقيقة، ف "إسرائيل" كيان مغتصب، فكيف يتعامل الشيعة معها؟!...
وحتى لحظة توقيع اتفاقية "كامب دايفيد" بين "إسرائيل" ومصر، قال الشيخ محمد مهدي شمس الدين "إن هناك ضرورات الأنظمة أي اتفاق الضرورة، وهناك خيارات الشعوب التي لا تستطيع التعامل مع "إسرائيل"، فلا تستطيع الأنظمة إلزام الشعوب".
مَن استطاع فهم الشيعة كان يعترف بالخطأ الذي ارتكبته "إسرائيل" وأميركا معاً، بحيث قال رئيس مجلس الأمن القومي "الإسرائيلي" غيورا آيلاند" مشكلة إسرائيل أنها تعاطت مع الشيعة في لبنان على أنهم عرب"، وبحسب توصيفه تابع: "لقد تم استبدال 5000 فلسطيني بـ مئات الآلاف من الشيعة، خاصة بعد أن نالوا منهم أول هزيمة في الأدبيات السياسية اليهودية، لدرجة أنه بات عليهم محو ما فعلته المقاومة بهم في جنوب لبنان من ذاكرة اليهود.
فهذه العقيدة لا تنفع معها الإغراءات، ففي تاريخ الشيعة كل الأئمة استُشهدوا لأنهم لم يكن ينفع معهم أسلوب الإغراء بالمكاسب.
وبالعودة لتاريخ العلاقة بين الغرب والشيعة، تقول الوقائع التاريخية إن الغرب بدأ يتعامل بطريقة مختلفة مع الشيعة، بعد إسقاط إتفاق 17 ايار 1984، وعندما تلقّى الرئيس نبيه بري دعوة من الرئيس الفرنسي جاك شيراك استقبله استقبال الرؤساء.
أكمل الغرب وعلى رأسه أميركا مسلسل الإغراءات، فخلال فترات طويلة كان يحصل دردشات مع الرئيس بري، لا ترقى لعرض رسمي أميركي أو إرسال موفدين، ولا حتى بطريقة مباشرة.
وبعد تحرير 2000 جاء أول عرض أميركي لحزب الله، وأفصح عنه السيد حسن نصرالله، والذي كان عبر موفد ياباني، فكان مضمون الطرح إحياء المشاريع والإستثمارات للشيعة: بناء مصانع، تأمين الأمن الغذائي والتربوي والصحي بكل مناطق الشيعة، عرض مالي بـ 10 مليار دولار، تعزيز دور الشيعة بالتعيينات في الدولة، ليس فقط إخراج حزب الله من لوائح الإرهاب وإنما الإعتراف به كتجربة مقاومة ممثِّلة لحركات التحرر بالأمم المتحدة، كل ذلك مقابل تسليم حزب الله الصواريخ التي تطال العمق الإسرائيلي والإبقاء على بقية السلاح، فكان الرفض من السيد نصرالله قاطعاً.
وبعدها أيضاً هناك العرض الذي قدّمه الرئيس رفيق الحريري خلال لقاءاته المتكررة مع السيد حسن نصرالله قبل 2005، بضمانة الرئيس الفرنسي آنذال جاك شيراك حول الشراكة بحُكم البلد وإدارته.
بعدها بقيت المحاولات الأميركية مستمرة، وكذلك بقيَ الرفض مستمراً من المقاومة. ومع بداية حرب الإسناد، كان هناك عرض أميركي، العرض الذي قدّمه الموفد الأميركي آموس هوكشتاين بداية حرب الإسناد وفحواه "وقفوا الحرب ومنحكي باللي بدكن ياه"، فكان الجواب من المقاومة الرفض أيضاً.
لكن بعد إعلان وقف إطلاق النار، كان الرهان على ما يبدو أن تُضعِف الضغوط السياسية والإعلامية موقف الحزب، فيوافق على الشروط الأميركية دون تقديم عروض، لكن بعد فشل ذلك، وبما أن الأميركي براغماتي سيُفكِّر فيما بعد بالإغراءات من جديد.
من هنا، يمكن القول إن العقدة الشيعية ترافق الأميركي ومعه "الإسرائيلي"، فـ"إسرائيل" تَعلم أنها إذا لم تستطع إقفال ملف المقاومة في لبنان، كل الذي كسبته لا يمكن صرفه، لذا عندما أتت مورغن أورتاغوس الى لبنان نقلت رسالة لرئيس الجمهورية، أنه لا سلام مع لبنان دون موافقة الشيعة. وكذلك قال السيناتور الأميركي غراهام إنه لا سلام ولا تطبيع بوجود حزب الله، وأنه طالما هناك مقاومة لن يتحقق السلام في المنطقة، بمعنى حتى لو استسلم الجميع لا يمكن تحقيق الأهداف من دون الشيعة.
إذاً... مهما روّج بعض الإعلام وتحدّث عن المفاوضات والمكاسب والمستقبل والتغيّرات والتوازنات، فكل ذلك يُوضع خارج إطار العقيدة الشيعية، الغير مرتبطة بتوازنات وظروف المنطقة ولا بنتائج الحرب. فالصراع بالمفهوم الشيعي هو وجودي وديني لا نهاية له إلا بهزيمة أحد الطرفين. فمِن الممكن أن تمر هدنة، لكن مهما طال زمنها، ففي اللحظة التي يستطيع فيها "الإسرائيلي" وفق عقيدته التلمودية أن يقضي على المقاومة سيفعلها، والعكس صحيح. لذا يمكن إستخلاص فكرة أن الموضوع خارج إطار التسوية، وهذه مشكلة أميركا و"إسرائيل" مع الفكر الشيعي.
الأكثر قراءة
عاجل 24/7
-
18:44
الشيخ قاسم: نحن مع الطائف والدستور وتجربة حزب الله من أهم التجارب في التعامل مع الآخرين والوطنية في الميدان.
-
18:44
الشيخ قاسم: "إسرائيل" لا تحترم أحدًا ولن تبقي أحدًا وعلى الأقل نحن نستطيع التفاهم معكم ونصل الى نتيجة.
-
18:43
أمين عام حزب الله الشيخ نعيم قاسم: بعض من يدعي الوطنية في لبنان ارتكب المجازر لإلغاء الآخر.
-
18:35
أ.ف.ب": اليوم الثلاثاء كان الأشدّ حرًّا على الإطلاق في فرنسا.
-
18:35
الأمم المتحدة: بدء إجلاء البحارة العالقين في مضيق هرمز.
-
18:20
المنظمة البحرية الدولية تعلن عن البدء في عملية واسعة لإجلاء 11 ألف بحار من مضيق هرمز
