اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

يقول الناس كثيراً " ما عندي وقت" لكن قل من يدرك أن هذه العبارة ليست شكوى بقدر ما هي مرآة تعكس طريقة الإنسان في النظر إلى الحياة وتنظيم أولوياته. فليس الزمان هو الذي يضيق، بل نحن الذين نضيق آفاقنا بتراكم الفوضى وسوء التخطيط.

الزمن هو رأس مال الإنسان الحقيقي. المال يكتسب ويفقد، والصحة تضعف ثم تستعاد، أما الوقت فكل لحظة منه تمضي لا تعود. من هنا كانت قيمة الوقت أسمى من كل ما يمتلك، لأنه الإطار الذي تصاغ فيه كل إنجازاتنا وأحلامنا. ولهذا قيل: "الوقت هو الحياة"

لكن الغريب أن أكثر الناس يهدرون هذه الحياة دون وعي، فيركضون وراء التوافه، وينشغلون بما لا ينفع، ثم يشكون ضياع أعمارهم وكأن الزمن خذلهم... لا هم من خذلوه. أما من يدرك قيمة الدقائق، فيحولها إلى خطوات نحو التطور الذاتي والإنتاج الحقيقي، فيتقدم على غيره، لا لأن يومه أطول، بل لأن تنظيمه أدق، وهدفه أوضح، وإرادته أصلب.

إدارة الوقت ليست أن نملأ يومنا بالمهام الكثيرة، بل أن نملأه بما له قيمة. فالمسألة ليست في كثرة الحركة، بل في نوع الاتجاه. الإنسان المنتج هو من يخطط ليومه كما يخط المهندس بناءه، يحدد أولوياته، يوازن بين عمله وراحته، ويجعل لكل لحظة معنى.

أما الذي "معه وقت"، فلا يعني أنه يملك وفرة في الزمن، بل أنه يجهل كيف يملأه بما ينفع. يعيش بلا هدف واضح، فتغدو ساعاته متشابهة، خالية من الأثر. ولذا يقال: "من لا يشغل نفسه بالحق، شغلته بالباطل".

حين نحسن استثمار أوقاتنا، نرتقي بأنفسنا أولا، ثم ننهض بمجتمعنا. فالمجتمع لا يتطور بالخطابات والشعارات، بل بعقول تعرف كيف تدير وقتها وتحول الجهد الفردي إلى إنتاج جماعي. الأمم التي تحترم الزمن تبني الحضارة، والأمم التي تستهين به تدفن في ركام التاريخ.

إن عبارة "ما عندي وقت للي معن وقت" ليست قسوة ولا نفور ولا تعال بل مسؤولية ووعي واحترام للذات . لأن من يعرف قيمة عمره لا يضيعه في اللامبالاة والثرثرة والجدال العقيم مع جماعة بو سياسة ولا غيرها. هو إنسان يسير نحو هدفه بثبات، يعتذر عن الفارغ لينجز الممتلئ، ويدرك أن كل دقيقة تضيع، هي خطوة إلى الوراء عن حلم يستحق أن يعاش. 

الأكثر قراءة

معــارك «المعــادلات» بـين الكـسر والتثبــيت؟ لودريان على خط الوساطة... وعين التينة تنتظر «أجوبة»