لم يعد النقاش حول الذكاء الاصطناعي يدور حول قدرته على توليد الصور أو كتابة النصوص؛ بل إن جوهر الأزمة اليوم يكمن في قدرته على التأثير في الإرادة السياسية وصياغة الرأي العام وإعادة تعريف الثقة، وصولًا إلى التحكّم بأكثر المساحات حساسية: الانتخابات. فمنذ 2024 دخل العالم مرحلة تصفها الأدبيات بـ«الانحدار السلس نحو ما بعد الحقيقة»، حيث يصبح كل شيء قابلًا للتشكيل، وكل واقعة قابلةً للتعديل، وكل ناخب هدفًا لمنصّات تبني مشاعره وتفضيلاته دون أن يشعر. الخطر لا يكمن في خلق الأكاذيب، بل في تضخيمها ومنحها قوة بصرية وصوتية وسردية تجعلها حقائق موازية. وهكذا وجدت الديموقراطيات نفسها أمام تهديد لا يشبه القمع أو الرقابة التقليدية، بل تآكلًا داخليًا يصيب جوهر المعنى السياسي. وفي اللحظة التي تُمحى فيها الحدود بين الصدق والزيف، تتحوّل الديموقراطية إلى عملية شكلية بلا مضمون، وجمهور بلا قدرة على التمييز، وهو أخطر ما يواجه السياسة الحديثة.
هذه التحولات تطرح أسئلة وجودية حول مستقبل "الحكم عبر الإرادة الشعبية": هل يستطيع المواطن اتخاذ قرار واعٍ وسط فيض من المحتوى المصنّع؟ هل أصبحت الحقيقة خيارًا شخصيًا تحدّده الخوارزميات تبعًا لاهتمامات الفرد ونقاط ضعفه: هل ما زالت الانتخابات تعكس إرادة الناس، أم قدرة الذكاء الاصطناعي على صناعتها؟ هل دخلت الديموقراطيات مرحلة انهيار هادئ بلا انقلابات ولا عنف؟ ما معنى الحقيقة في زمن يُنتج فيه الذكاء الاصطناعي أدلّة لا يمكن تمييزها؟ هل يستطيع السياسي المتورّط الإفلات من المساءلة بمجرد قوله: «هذا ديبفايك Deep fake »؟ هل الأزمة تقنية… أم معرفية–أخلاقية تهدد بقاء الديموقراطية الحديثة؟
يفتتح تقرير ISPI الصادر في 25 تشرين الاول 2024 صورة قاتمة عن حال الديموقراطية في عام انتخابي عالمي شديد الحساسية، عبر رصد موجة من الصور والفيديوهات الاصطناعية التي اجتاحت الفضاء الرقمي بين 2023 و2024. لم تعد صورة البابا فرنسيس بسترة Balenciaga مجرّد نكتة إنترنت، بل دليلًا على استعداد الجمهور لتصديق أي شيء يبدو بصريًا مقنعًا، تمامًا كما حدث مع الصور المزيّفة لكامالا هاريس في «تجمّعات شيوعية»، ولقمصان “Swifties for Trump” التي ظهرت وكأنها مشاهد حقيقية، إضافة إلى صور اعتقال ترامب في مشهد درامي، وصور بايدن بزيّ عسكري. هذه الأمثلة، كما يوضح التقرير، ليست حوادث معزولة، بل جزء من انتقال الذكاء الاصطناعي من تزييف فردي إلى هندسة الوعي الجماعي: صناعة صدمات بصرية، أو إضفاء هالة هيبة، أو تشويه سياسي فوري، بحيث تكفي صورة واحدة مصنّعة جيدًا لتغيير انطباع عام أو توجيه ميول انتخابية. ويلخّص التقرير هذا التحوّل في ثلاثية خطيرة تحكم التضليل السياسي المعاصر: سهولة الوصول إلى الأدوات، السرعة الهائلة في الإنتاج، والتوسع الكبير في الانتشار؟
وعلى خلاف التوقعات التي سبقت انتخابات 2024، يشير تقرير Brookings Institution (كانون الثاني 2024) إلى أنّ العالم لم يشهد «طوفانًا» من الديبفايكاتDeep fakes كما كان متوقعًا. لكن المفارقة، كما يشدّد التقرير، أنّ الخطر الأكبر لم يكن في كثافة التزييف، بل في دقّته وتوقيته. فأحيانًا، لا تحتاج الانتخابات إلى مئة فيديو مزيف، بل إلى تسجيل صوتي واحد، في لحظة مناسبة، ليفجّر الشكوك داخل جمهور معيّن. يستشهد التقرير بحادثة سلوفاكيا 2023 بوصفها المثال الأكثر دراماتيكية: تسجيل صوتي مصنوع بالذكاء الاصطناعي لمرشح معارض قبل 48 ساعة فقط من الانتخابات، تضمن عبارات توحي بشراء الأصوات. في تلك الساعات القليلة، لم يكن ممكنًا للإعلام أو الهيئات المستقلة أن تدحض التسجيل، خصوصًا في ظل قوانين «الصمت الانتخابي». والنتيجة كانت تغييرًا جذريًا في اتجاه التصويت وفوز حزب شعبوي. هذا السيناريو، كما يقول التقرير، يكشف عن طبيعة التهديد الحقيقي: ليس التلاعب الكثيف، بل التلاعب الموجّه والمُحكم، الذي يُزرع في اللحظة الحاسمة. ويؤكد التقرير أيضًا أن الذكاء الاصطناعي قدّم هدية غير مسبوقة للسياسيين عبر ظاهرة «عائد الكاذب»، حيث يستطيع أي مسؤول نفي أي فضيحة حقيقية بالقول إنها «ديبفايك»، ما يضع الحقيقة نفسها في موقع الضعيف.
وفي مقال نشرته New York Times في 26 حزيران 2025، يبيّن أنّ الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرّد أداة في الحملات، بل فاعل يمكنه قلب النتائج، كما حدث في رومانيا حين اضطرت السلطات إلى إلغاء الجولة الأولى من الانتخابات بعد كشف حملة تضليل واسعة مرتبطة بروسيا على TikTok، اعتمدت على مئات الفيديوهات والصور لدعم مرشح يميني متطرف. ويمتد التحليل إلى كندا، حيث انتشرت صورة مزيفة تربط المرشح مارك كارني بجيفري إبستين، ما أطلق موجة شك عميقة، وإلى بولندا حيث روّجت منشورات اصطناعية لتحذيرات من «هجوم إرهابي» محتمل بهدف تخفيض المشاركة الانتخابية. من خلال هذه الحالات وسواها، يخلص المقال إلى أن الديموقراطية تتعرّض لـ "تآكل ناعم": انحدار بطيء لكنه ثابت، تُصبح فيه الثقة العامة نادرة، ويغدو الرأي العام هشًّا أمام موجات تضليل تُدار عن بُعد وبذكاء شديد.
يأتي تقرير EPTA ليقدّم قراءة أكثر عمقًا وهدوءًا. فخلافًا للتركيز على التزييف التقني وحده، يشدّد التقرير على أن الخطر الأكبر يكمن في تغيير بنية الإدراك لدى المواطنين. حين يصبح كل شيء قابلًا للتعديل، صوتًا وصورةً وفيديوً وتصريحات. تتفكك الذاكرة الجمعية، ويضيع الحدّ الفاصل بين الروايات المتنافسة. ويقدّم تقرير Carnegie Europe (18 كانون الأول 2024) رؤية تحذيريّة حادّة، معتبرًا أنّ الذكاء الاصطناعي أصبح في قلب «الاصطدام بين الاستبداد الرقمي والأنظمة الديموقراطية». فدول مثل روسيا والصين وغيرها، لا تكتفي بنشر محتوى مزيف، بل تستغل القدرات اللغوية–الثقافية للذكاء الاصطناعي لإعادة تشكيل النقاش العام داخل الديموقراطيات، عبر إنتاج روايات تبدو محليّة بينما هي في الأصل مُصمَّمة خارجيًا. يرى التقرير أنّ ما يجري لم يعد مجرّد حرب معلومات، بل هندسة سرديات سياسية جديدة تُدار عبر شبكات عالمية تبث آلاف الرسائل المستهدِفة، بالاستناد إلى بيانات المستخدمين وسلوكهم ونقاط ضعفهم النفسية. هكذا يتحوّل الذكاء الاصطناعي من أداة تكمّل الحملات الانتخابية إلى مشروع سياسي يضرب تماسك المجتمعات، ويقوّض الثقة بالسلطات المنتخبة، ويخلق «أقليات رقمية» تبدو ضخمة ومؤثرة، لكنها في الواقع مئات الحسابات الاصطناعية المضخَّمة بالخوارزميات.
يصف Hany Farid في مقاله (ربيع/صيف 2025) الذكاء الاصطناعي بأنه "سلاح نووي معلوماتي" يشارك في تشكيل مزاج الشعوب، ويمنح السياسيين قدرة غير مسبوقة على التلاعب بالرأي العام. يستشهد بمثال مكالمة بايدن المزيّفة التي دعت الناخبين لعدم التصويت، وصور ترامب وهو يقاوم الشرطة، وفيديوهات شوّهت حياة سياسيين عالميًا. لكن الخطر الأكبر، برأيه، ليس التضليل بحد ذاته، بل الانتقال إلى عالم لا يمكن الوثوق فيه بأي دليل؛ عالم يمكن فيه نفي أي فضيحة أو اتهام بجملة واحدة: «هذا ديبفايك، مما يضرب جوهر الديمقراطية من الداخل. ويطرح مقال Greenpeace (6 شباط 2025) مقاربة مختلفة، إذ يرى أن تهديد الذكاء الاصطناعي للديموقراطية ليس سياسيًا فقط، بل معرفي–اجتماعي في العمق، يعيد تشكيل إدراك الناس للواقع عبر تعزيز «فقاعات الوعي» التي صنعتها المنصّات، مضيفًا عليها طبقة جديدة من المحتوى المُوجّه المصنوع خوارزميًا، حيث تؤكد الباحثة Rumman Chowdhury أن التضليل الاصطناعي يضاعف انحيازات البشر، ويحوّل كل فرد إلى عضو في قبيلة رقمية مغلقة، فيما تصبح البيانات ، لا المال ، هي الثروة السياسية الحقيقية، لأنها تمكّن من توجيه السلوك الانتخابي بدقة غير مسبوقة. ووفق المقال، فإن الخطر لا يصيب المؤسسات فقط، بل يهدد المخيلة السياسية للمجتمع: القدرة على التمييز بين الممكن والحقيقي والمصنّع.
على عكس الطرح الأحادي الذي يركّز على الجانب المظلم، يقدّم مقال Ash Center (كانون الأول 2024) صورة أكثر توازنًا. فهو يعترف بخطورة التضليل، لكنه يبيّن أيضًا أن الذكاء الاصطناعي استُخدم في ممارسات انتخابية إيجابية، مثل الترجمة الفورية لخطابات المرشحين، وإنتاج مواد تساعد على الوصول إلى شرائح واسعة بلغاتها المحلية، وتصميم حملات أكثر شمولًا. يورد المقال أمثلة عن مرشحين استخدموا روبوتات دردشة chatbots للرد على أسئلة الناخبين، وآخر في اليابان استعان بـ Avatar AI للإجابة عن 8600 سؤال، في تجربة تكشف إمكان تعزيز الحوار السياسي بدل تقويضه. كما استخدمت فرق الحملات الذكاء الاصطناعي في جمع التبرعات، وصياغة الرسائل، وتحسين الاستهداف، ما خلق موجة من "الاحترافية السياسية المعتمدة على البيانات". مع ذلك، ينتهي المقال بتحذير واضح: هذه الاستخدامات الإيجابية يمكن أن تتحوّل بسرعة إلى أدوات قمع وتضليل إذا لم تُحكم بتشريعات صارمة، خصوصًا في ما يخصّ الأصوات المستنسخة والصور المعدّلة دون موافقة أصحابها.
لقد بات واضحًا، أنّ الذكاء الاصطناعي لم يعد خطرًا تقنيًا يمكن ضبطه ببعض اللوائح، ولا موجة عابرة من التضليل الرقمي، بل تحوّل بنيوي يمسّ ذاكرة المجتمع ومخيّلته السياسية وقدرته الأساسية على التمييز. لقد تغيّر الفضاء العام نفسه، وتحول من ساحة نقاش إلى حقل ألغام معرفي يصبح فيه التمييز بين الحقيقة والتزييف المضاد مهمة شبه مستحيلة.
نجح الذكاء الاصطناعي، عبر الديبفايك deep fake، والتلاعب العاطفي، والاستهداف الدقيق، وصناعة روايات بديلة، في ضرب ثلاث ركائز لا تقوم الديموقراطية من دونها: الثقة، المعرفة، والشرعية السياسية. ومع تآكل هذه الركائز، تغدو الديموقراطية، مهما بدت متماسكة، مجرّد قشرة تغطي مجتمعًا تائهًا بين روايات متصارعة وحقائق لا يثق بها أحد، في عالم تُصنع فيه المعلومات كما تُصنع السلع. عند هذه النقطة تبرز الأسئلة الأصعب: كيف يعيش نظام سياسي إذا لم يعد مواطنوه متفقين على ما حدث فعلًا؟ ماذا يبقى من العدالة إذا كان كل مشهد قابلًا للتزييف، وكل تصريح قابلًا للتكذيب، وكل ملف أدلة قابلًا للتلاعب؟
لسنا أمام أزمة ديموقراطية فقط، بل أمام أزمة وجودية للإنسان أمام الحقيقة: هل نرى الواقع فعلًا، أم نرى ما تصنعه لنا الخوارزميات؟ هل نقترب من زمن نحتاج فيه إلى «سلطة رقمية» تفصل بين الحقيقي والوهم؟ أم ندخل عصرًا تصبح فيه الحقيقة خيارًا فرديًا، ينتقي كل شخص نسخته الخاصة منها؟
وأخيرًا… إذا فقدنا القدرة على التمييز بين الحقيقة والكذب، فكيف نعرف أننا ما زلنا في ديموقراطية، لا داخل محاكاة سياسية عملاقة تُدار من خلف الشاشات؟
الأكثر قراءة
عاجل 24/7
-
00:14
انتهاء اليوم الأول من الجلسة الخامسة للمفاوضات اللبنانية - الاسرائيلية في وزارة الخارجية الأميركية، ومعلومات دبلوماسية تشير الى عدم حصول اختراق في المحادثات
-
23:52
سلطنة عمان: على السفن الراغبة بالعبور من مضيق هرمز التنسيق مع المنظمة البحرية الدولية
-
23:50
سلطنة عمان: الممر البحري المؤقت من هرمز متاح لجميع السفن
-
23:46
واللا عن مصدر أمني: "إسرائيل" قلقة لاحتمال أسر جنود بكفرتبنيت بلبنان لمقايضتهم بعناصر حزب الله المحاصرين بالأنفاق
-
23:45
واللا عن مصدر أمني: الجنود الإسرائيليون تلقوا تعليمات بالتحرك ضمن مجموعات ثنائية وثلاثية لحماية أنفسهم
-
23:42
سلطنة عمان: عملنا على توفير ممر بحري مؤقت من هرمز بالتنسيق مع المنظمة البحرية الدولية
