في ربيع عام 1980، وفي خضمّ الخراب الذي أحدثته الاجتياحات الإسرائيلية المتكررة للجنوب اللبناني، اتخذت الدولة اللبنانية قراراً تاريخياً لم يُسلّط عليه الضوء بما يكفي. ففي جلسة رسمية عقدها مجلس الوزراء بتاريخ 15 آذار 1980، وبقيادة الرئيس إلياس سركيس، أقرّت الحكومة اللبنانية السياسة الدفاعية ووسائل تنفيذها (أنظر الصورة). لم يكن القرار بياناً إنشائياً، ولا موقفاً عاطفياً، بل وثيقة حكومية رسمية تستند إلى قانون الدفاع الوطني (1979) الذي كان لا يزال جديداً آنذاك. بمعنى أوضح: إنّ المقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي كانت أولاً قرار دولة، قبل أن تكون لاحقاً خيار حزب.
إنّ هذا القرار الذي اتخذته السلطة الإجرائية برئاسة الرئيس سركيس- الذي يراه كثيرون امتداداً للسياسة الشهابية- لم يحصر مقاومة الاحتلال الإسرائيلي في جهة واحدة، فالقرار يدعو إلى "تعزيز طاقات لبنان في جميع المجالات للدفاع عن قضاياه العربية ولا سيما القضية الفلسطينية..."، فمن المنطقي - ومن جهة أَولى- أن يراكم لبنان هذه الطاقات الشعبية الموجودة في سبيل قضيته السيادية وهي "مقاومة الاحتلال الإسرائيلي في جنوب لبنان وإزالة آثاره واستعادة جميع الأراضي والحفاظ على لبنان بجميع أجزائه لا سيما ضد أطماع إسرائيل التوسعية والعدوانية والتمسّك باتفاقية الهدنة".
الاحتلال يفرض السؤال… والدولة تجيب
كان الجنوب اللبناني تحت الاحتلال الإسرائيلي منذ اجتياح 1978. وفي بيروت، كانت الحرب الأهلية تشلّ مؤسسات الدولة وتنهك الجيش. ومع ذلك، قررت الحكومة أن لا تستسلم للواقع الأمني والسياسي، وأن تحافظ على دورها في حماية السيادة.
في محضر الجلسة، ورد بوضوح: "مقاومة الاحتلال الإسرائيلي في جنوب لبنان وإزالة آثاره واستعادة جميع الأراضي".
اللافت أن الصياغة لا تترك مجالاً للتأويل: المقاومة ليست "رد فعل"، بل مهمة من صلب السياسة الدفاعية اللبنانية.
ليس تحرير الأرض فقط… بل حماية الداخل أيضاً.
لا تكتفي الوثيقة الحكومية بالبعد العسكري. فهي تربط بين الدفاع عن الأرض والدفاع عن الدولة نفسها، وتقول:
"تأمين سير مؤسسات الدولة وصون حريات المواطنين وحكم القانون".
كان الهدف واضحاً: المقاومة لا تعني الفوضى. إنّ تحرير الأرض يجب أن يؤدي إلى بناء المؤسسات وحمايتها.
البعد العربي في القرار
النقطة التي لا تقل أهمية في الوثيقة هي دعم لبنان الرسمي للقضية الفلسطينية:
"تعزيز طاقات لبنان للدفاع عن قضاياه العربية ولا سيما القضية الفلسطينية".
هذا يعني أن الدولة رأت المعركة مع إسرائيل جزءاً من صراع عربي أشمل، لا مجرد نزاع حدودي.
قانون الدفاع الوطني… أساس شرعية القرار
قبل صدور القرار بعام واحد، أقرّ مجلس النواب قانون الدفاع الوطني (1979)، وهو المرجعية القانونية التي استندت إليها الحكومة. يحدد القانون مهمة الدفاع الوطني كالآتي: حماية الوطن من أي اعتداء خارجي وتعزيز قدرات الدولة لمقاومة العدوان. وهو يمنح مجلس الوزراء حق وضع السياسة الدفاعية، والجيش حق التنفيذ.
أي أن الدولة في تلك المرحلة كانت تملك:
• رؤية سياسية (مجلس الوزراء).
• إطار قانوني (قانون الدفاع الوطني).
• أداة تنفيذية (الجيش + إمكانيات دعم المقاومة).
الحقيقة التي يطمسها الجدل السياسي الحالي
تقول السردية الشائعة إن المقاومة في لبنان ظهرت مع حزب الله بعد عام 1982. لكن الوثيقة الرسمية لعام 1980 تكشف عكس ذلك:
• الدولة سبقت الحزب في خيار المقاومة.
• التحرير كان مشروعاً وطنياً، لا مشروعاً حزبياً.
• الشرعية كانت شرعية مجلس الوزراء، لا شرعية تنظيم منفرد.
تُعيد هذه الوثيقة ترتيب التاريخ: الدولة هي التي أسست فكرة المقاومة.
لماذا تهمنا هذه الوثيقة اليوم؟
لأن النقاش الدائر حول "الاستراتيجية الدفاعية" و"من يملك قرار الحرب والسلم؟" غالباً ما يستند إلى فكرة أن الدولة لم يكن لديها مشروع دفاعي أو رؤية مقاومة. غير أن وثيقة 15 آذار 1980 تقول بوضوح: لبنان قاوم الاحتلال بقرار من الحكومة.
وحدها الظروف السياسية والعسكرية في ما بعد - بداية من اجتياح 1982 وانهيار مؤسسات الدولة - هي التي سمحت بنشوء مقاومة خارج سلطة الدولة.
خلاصة
قبل حزب الله، كانت المقاومة قرار حكومة. قبل 1982، كان التحرير بنداً على جدول أعمال مجلس الوزراء. قبل كل السجالات الحالية، كانت الدولة اللبنانية هي التي تعلن: "مقاومة الاحتلال واجب وطني".
لا يبدأ التاريخ من لحظة واحدة. والسيادة لا تُختزل بتنظيم واحد. لبنان قاوم أولاً كـ دولة.
الأكثر قراءة
عاجل 24/7
-
14:15
رئيس وزراء باكستان: مذكرة التفاهم الموقعة بين #طهران وواشنطن ستتحول إلى اتفاقية طويلة الأمد بعد ستين يوما
-
14:15
قاليباف: إيران وسلطنة #عمان شكلتا لجنة مشتركة لمناقشة مضيق هرمز
-
14:11
وكالة أنباء عمان: سلطنة عمان وإيران تؤكدان على أن جميع الترتيبات المتعلقة بهرمز يجب أن تحترم سيادتي الدولتين
-
14:00
الرئاسة اللبنانية: الرئيس عون بحث في اتصال من ماكرون الوضع بالجنوب بعد إعلان وقف إطلاق النار والخطوات اللاحقة
-
14:00
الرئيس الفرنسي يبلغ نظيره اللبناني أنه سيجري مجموعة اتصالات مع عدد من قادة الدول لتحديد الموقف من هذه الخطوة
-
13:44
حزب الله: ما أقدم عليه العدو الإسرائيلي في النبطية الفوقا انتهاك فاضح لوقف إطلاق النار الذي التزمنا به
