لم يكن كلام الرئيس جوزاف عون، على وجود أصوات لبنانية في الولايات المتحدة تحرّض على عدم مساعدة الجيش اللبناني مجرّد توصيف سياسي عابر، بل طرح إشكالية قانونية دقيقة تتعلّق بحدود حرية التعبير، وبمدى مشروعية السلوك الذي يستهدف مؤسسة سيادية، تشكّل العمود الفقري للأمن الوطني.
فالجيش اللبناني، وفق الدستور وروحية القوانين المرعية الإجراء، ليس طرفاً في نزاع سياسي، بل هو مؤسسة جامعة تضطلع بمهمة حماية الاستقلال والسيادة ووحدة الأرض. وعليه، فإن أي فعل يرمي إلى إضعافه مادياً أو معنوياً، يخرج من دائرة الرأي ليقع في حقل المسؤولية القانونية.
لقد عالج قانون العقوبات اللبناني هذه المسألة بوضوح. فالمادة 274 تجرّم كل لبناني يدسّ الدسائس لدى دولة أجنبية أو يتصل بها، لدفعها إلى القيام بأعمال عدائية ضد لبنان، أو ليوفر لها الوسائل إلى ذلك. ولا يُشترط في هذا السياق أن يكون الفعل عملاً عسكرياً، بل يكفي أن يؤدّي إلى الإضرار بموقع الدولة أو بمؤسساتها الأساسية. والتحريض على وقف الدعم الخارجي عن الجيش قد يندرج ضمن هذا الإطار.
ثم إنّ التحريض العلني في الخارج ضد مساعدة الجيش اللبناني، ولا سيما في دول مؤثرة، قد ينعكس سلباً على علاقات لبنان الدولية، ويضعف قدرته على حماية حدوده واستقراره.
أما على صعيد الأمن الداخلي، فالمادة 297 من قانون العقوبات تعاقب "كل لبناني يذيع في الخارج، وهو على بينة من الأمر، أنباءً كاذبة أو مبالغاً فيها من شأنها أن تنال من هيبة الدولة..."، والجيش بوصفه رمزاً للوحدة الوطنية، يدخل حكماً ضمن هذا المفهوم، بحيث إن استهدافه المنهجي أو تصويره كعبء أو خطر، يشكّل مساساً مباشراً بهيبة الدولة.
ويُضاف إلى ذلك ما نصّت عليه المادة 157 من قانون القضاء العسكري، التي تعاقب كل من يقوم بأعمال أو كتابات أو خطابات، من شأنها النيل من هيبة الجيش أو التأثير في معنويات العسكريين. وهذه المادة لا تقتصر على العسكريين، بل تشمل كل من يتعمّد ضرب صورة المؤسسة العسكرية أو التشويش على دورها، سواء من الداخل أو من الخارج.
في هذا الإطار، يتبيّن أن حرية التعبير، على أهميتها الدستورية، ليست حقاً مطلقاً. فهي تفقد حمايتها القانونية عندما تتحوّل إلى أداة تحريض خارجي، أو إلى وسيلة لإضعاف مؤسسة سيادية، أو إلى ضغط سياسي يمارس عبر العواصم الأجنبية على حساب المصلحة الوطنية.
بناءً على ما سبق، فإنّ كلام الرئيس جوزاف عون يندرج في إطار التنبيه إلى خطورة قانونية، قبل أن يكون موقفاً سياسياً. فالتحريض على الجيش اللبناني أو التشويش على دوره لا يُعدّ معارضة مشروعة، بل قد يرقى وفق القوانين المرعية، إلى مستوى الجرم الذي يمسّ بأمن الدولة ومركزها وهيبة مؤسساتها. وفي بلد يواجه تحديات وجودية، تبقى حماية الجيش واجباً وطنياً وقانونياً، لا يقبل الالتباس أو المساومة.
وقد يُثار في هذا السياق تساؤل مشروع: هل تتبدّل المسؤولية القانونية إذا كان الشخص الذي يحرّض على عدم مساعدة الجيش اللبناني، يحمل الجنسية الأميركية إلى جانب جنسيته اللبنانية؟
الجواب القانوني المختصر: لا، لا تنتفي المسؤولية، ولا تسقط الصفة اللبنانية.
أولاً: مبدأ عدم زوال الجنسية اللبنانية
يعتمد القانون اللبناني مبدأ واضحاً: إنّ اكتساب جنسية أجنبية لا يُسقط الجنسية اللبنانية إلا بنصّ صريح وبمرسوم. وبالتالي، فإن اللبناني الذي يحمل الجنسية الأميركية يبقى لبنانياً كاملاً أمام القانون اللبناني، ويخضع لأحكام قانون العقوبات اللبناني، متى ارتكب فعلاً مجرّماً يمسّ أمن الدولة أو مصالحها، ولو كان الفعل قد حصل في الخارج، أو تحت صفة أو خطاب سياسي أجنبي.
ثانياً: الاختصاص الجزائي اللبناني للأفعال المرتكبة في الخارج
تنص المادة 19 من قانون العقوبات اللبناني على أن: "تطبّق القوانين اللبنانية على كل لبناني أو أجنبي أو عديم الجنسية، فاعلاً أو شريكاً أو محرّضاً أو متدخّلاً، أقدم خارج الأراضي اللبنانية أو على متن طائرة أو سفينة أجنبية: 1- على ارتكاب جرائم مخلّة بأمن الدولة...."
ثالثاً: إزدواج الجنسية لا يشكّل حصانة
يحاول البعض التذرّع بازدواج الجنسية، للقول إن الفعل يندرج ضمن "حرية التعبير" في الدولة الأجنبية، أو أنه صادر عن "مواطن أميركي". غير أن هذا الدفع غير ذي قيمة أمام القضاء اللبناني للأسباب الآتية:
1- الصفة اللبنانية قائمة ولا تزول بازدواج الجنسية.
2- الجرائم الواقعة على أمن الدولة تُعدّ من الجرائم ذات الطابع السيادي.
3- لا يمكن الاحتماء بقانون أجنبي لتبرير فعل يجرّمه القانون اللبناني.
رابعاً: أثر الجنسية الأميركية في التنفيذ لا في التجريم
من الناحية العملية، قد يؤثّر حمل الجنسية الأميركية في إجراءات التسليم، أو تنفيذ العقوبة في حال وجود المتهم خارج لبنان. لكن هذا الأمر لا يلغي قيام الجرم، ولا يمنع الادعاء والملاحقة وإصدار الحكم الغيابي، ولا يسقط الوصف الجرمي للفعل. فالتمييز واجب بين: التجريم (وهو ثابت)، وآليات التنفيذ (وهي مسألة سياسية– قضائية لاحقة).
ختاماً
إنّ حمل الجنسية الأميركية لا يشكّل درعاً قانونياً للبناني الذي يحرّض على إضعاف الجيش اللبناني، أو يسعى لدى جهات أجنبية لوقف دعمه، أو يشوّش على دوره الوطني.
فالقانون اللبناني ينظر إلى هذا الشخص أولاً وأخيراً بصفته لبنانياً ارتكب فعلاً يمسّ أمن دولته، وتبقى الملاحقة قائمة، ولو تعدّدت الجنسيات وتباعدت الجغرافيا.
إنّ الجيش اللبناني في ميزان القانون، ليس موضوع رأي، بل ركن من أركان السيادة.
الأكثر قراءة
عاجل 24/7
-
14:15
رئيس وزراء باكستان: مذكرة التفاهم الموقعة بين #طهران وواشنطن ستتحول إلى اتفاقية طويلة الأمد بعد ستين يوما
-
14:15
قاليباف: إيران وسلطنة #عمان شكلتا لجنة مشتركة لمناقشة مضيق هرمز
-
14:11
وكالة أنباء عمان: سلطنة عمان وإيران تؤكدان على أن جميع الترتيبات المتعلقة بهرمز يجب أن تحترم سيادتي الدولتين
-
14:00
الرئاسة اللبنانية: الرئيس عون بحث في اتصال من ماكرون الوضع بالجنوب بعد إعلان وقف إطلاق النار والخطوات اللاحقة
-
14:00
الرئيس الفرنسي يبلغ نظيره اللبناني أنه سيجري مجموعة اتصالات مع عدد من قادة الدول لتحديد الموقف من هذه الخطوة
-
13:44
حزب الله: ما أقدم عليه العدو الإسرائيلي في النبطية الفوقا انتهاك فاضح لوقف إطلاق النار الذي التزمنا به
