ثمة دراسات عديدة تتناول دستور الحزب السوري القومي الاجتماعي، مع مختلف التعديلات التي ادخلتها عليه الادارات الحزبية المتعاقبة.
فما هي المقاربة الجديدة للرفيق سامي سماحه في كتابه "دستور الحزب بمنظار النهضة"؟
من الواضح ان الرفيق سامي، في مقاربته المتميزة للدستور، لم يقصد وضع دراسة دستورية كلاسيكية. فقد ربط عن قصد وتصميم مسبقين بين الدستور كقانون اساسي للدولة، من جهة وبين النهضة التي تحمل في طياتها ابعادا ومعاني تتجاوز معنى الدولة لتذهب الى فضاء ابعد واكثر عمقا، من جهة ثانية. فالنهضة، والمقصود بها هنا النهضة القومية حصرا، هي عملية بناء معقدة ومتشابكة تبدأ بالانسان الحر في مجتمع حر يؤسس لدولة قومية سيدة مستقلة، تتضمن بدورها بناء مجتمع قومي متماسك وبناء اقتصاد منتج وعدالة اجتماعية حقيقية ومواطنية صحيحة ونظام قائم على الحرية والديموقراطية. فكيف يرى الرفيق سامي دستور الحزب بميزان النهضة اي بمعنى اخر كيف يقيس الدستور بمعيار النهضة ومشروعها؟
اساسا، الدستور هو القانون الاعلى في الدولة وهو الناظم للعلاقات بين مختلف السلطات من تشريعية وتنفيذية وقضائية. وهو الذي يحدد الحقوق والواجبات للافراد. فما هي، والحالة هذه، علاقة الحزب بالدستور؟
من الضروري الملاحظة ان انطون سعاده لم يؤسس حزبا بمفهوم الاحزاب المتعارف عليها في الغرب. او الاصح القول لم يكن في نيته اصلا تأسيس حزب بهذا المعنى. فقد كانت غايته بعث نهضة قومية شاملة في سورية الطبيعية. فكان لا بد من ايجاد شكل تنظيمي ما يشكل حاملا ورافعة لمشروع النهضة. فكان الحزب. ولكنه لم يكن حزبا سياسيا تقليديا كباقي الاحزاب في بلادنا وفي العالم. فالاحزاب تنشأ عادة بغية الوصول الى السلطة او اقله المشاركة فيها. بينما هدف الحزب القومي كان مختلفا من الاساس وهذا ما تنص عليه المادة الاولى من الدستور اذ تقول "غاية الحزب بعث نهضة الخ".
في هذه العملية المعقدة والمركبة والفائقة الدقة ما هو دور الدستور؟
الباحث في دستور الحزب يلاحظ انه يقرأ في دستور دولة.
وهذا صحيح الى حد كبير. فسعاده يصف الحزب بأنه "دولة الامة المصغرة". فقد رسم في الدستور حدودا لمختلف السلطات التي ارتكزت على مبدأ ديموقراطي اساسي يقول بفصل السلطات وتعاونها. بمعنى ألا تطغى سلطة على سلطة اخرى، ولكن على اساس التعاون التام فيما بينها.
فكيف تتم قراءة الدستور بميزان النهضة؟
يعرف سعاده النهضة بأنها الخروج من البلبلة والضياع والشك الى الوضوح واليقين. فكيف نترجم ذلك عبر مسالك قانونية دستورية تحقق شروط بعث النهضة ؟ فإما ان يكون الدستور في خدمة القضية القومية او لا يكون. لذلك فعند دراسة الدستور وبحث ما يجب ان يطرأ عليه من تعديلات، ينبغي الربط بين التعديلات المقترحة، اذا كان من موجب لها، وبين غاية الحزب المنصوص عليها في مقدمته. فكل مادة في الدستور هي في خدمة القضية القومية وخدمة غاية الحزب. فليس لدينا ترف التعديل للتعديل وليس في قاموسنا الذي هو قاموس النهضة تعديلات لخدمة قضايا شخصية او سياسية.
هذا الربط بين الدستور والقضية القومية يحصن الدستور من الوقوع في مطبات التعديل الاعتباطي المجاني او التعديل المقصود منه خدمة قضايا خصوصية، ويحفظ القضية القومية من عبث العابثين. وما تاريخ الانحرافات عن بوصلة الحزب الا تاريخ حفنة من هؤلاء الذين، إما عن جهل او بدافع من اغراض خصوصية، خلطوا بين حزب القضية او حزب النهضة وبين حزب السلطة فتعاملوا مع مشروع سعاده النهضوي بامتياز كأنه مشروع وصول للسلطة او مشاركة فيها كيفما اتفق. فكأن وجودهم في السلطة في ظل نظام طائفي متخلف تفوح منه رائحة الرجعة هو غاية النضال ومنتهى الارب. كما ان تاريخ الانشقاقات منذ منتصف الخمسينيات حتى الانشقاق الاخير قبل خمس سنوات هو تاريخ الفهم الخاطىء لمشروع الحزب الذي تحول من خدمة القضية القومية الى خدمة مجموعات او افراد تسللوا الى المراكز القيادية بسبب خلل اصاب فحوى رتبة الامانة ومضمونها، كما آليات منحها. وهذا مثل اخر عن الفصل المتعمد بين الدستور، ورتبة الامانة جزء اساسي منه، وبين القضية القومية. فلو تم اعتماد معيار النهضة القومية في مقاربة موضوع رتبة الامانة لما كنا وجدنا هذا الكم الهائل من الامناء نسبة لمجموع اعضاء الحزب، مع تدني في السوية الفكرية والنضالية لكثيرين منهم. وهو الامر الذي ادى ويؤدي الى تراجع في البنية الفكرية والثقافية والنضالية والادارية للحزب ككل وتراجع في دوره على الصعيد القومي.
من هنا نرى اهمية العمل الذي انبرى الرفيق سامي للقيام به. فهو بالاضافة الى قيامه بسد ثغرة مهمة في المكتبة الحزبية، فقد ارسى قاعدة اساسية في كيفية التعامل مع الدستور من ضمن التأكيد على الفهم المتميز للحزب ومشروعه. وهو ما من شأنه تحصين الحزب والنهضة من عبث العابثين واصحاب الاغراض الخصوصية الذين كان تاريخهم في الحزب هو هو تاريخ الانحرافات على اشكالها وتاريخ الانشقاقات التي اساءت الى الحزب وتاريخه وتاريخ مناضليه وبالاخص الى مسيرة زعيمه، مفكرا ومعلما ومناضلا وشهيدا.
يتوزع الكتاب على مقدمة وعدد من المقالات التي تطرقت الى مواضيع مختلفة تصب كلها في هدف الكتاب. فمن استعراض للتعديلات المختلفة التي ادخلت على الدستور الى امور اخرى تراوحت بين لجنة المديرية ومجلس المنفذية والمجلس العام الى الديموقراطية التعبيرية والوحدة بميزان النهضة ومواضيع اخرى بالغة الاهمية، ثمة هم واحد يشغل بال الكاتب على امل ان تنتقل عدواه الى القاريء. هذا الهم الذي من المفترض ان يكون شغل جميع ابناء النهضة الشاغل هو هم النهضة وكيفية انتصارها عن طريق ايصالها للشعب اولا والذي بدوره يتكفل بايصالها الى الانتصار الذي لا مفر منه. فالتحية والشكر للرفيق العزيز على اجتهاده في استخراج الدر من اعماق بحر سعاده وعلى جهده ومثابرته الحثيثة على مفاجأتنا واتحافنا بكل جديد .
الأكثر قراءة
عاجل 24/7
-
16:04
إذاعة أوروبا الحرة عن مسؤولين أميركيين: أولوية إدارة ترامب هي بيان تعلن فيه إيران أن مسارات الشحن بهرمز مفتوحة
-
16:03
إذاعة أوروبا الحرة عن مسؤولين أميركيين: اجتماع سلطنة عمان اختبار حاسم لمستقبل الدبلوماسية مع إيران
-
16:03
إذاعة أوروبا الحرة عن مسؤولين أميركيين: أزمة مضيق هرمز أثارت شكوكا بشأن قدرة طهران على تنفيذ أي التزامات
-
15:51
الجزيرة: مواجهات مع قوات الاحتلال عقب اقتحامها بلدة بيت فوريك شرق نابلس بالضفة الغربية
-
15:50
"الوكالة الوطنية": انفجار جسم من مخلفات الحرب في بلدة صريفا
-
15:48
غزة: الاحتلال يمنع الإسعاف من الوصول للمركبة المستهدفة لانتشال الشهداء عند شارع الرشيد
