"لبنان وجنوبه في عنق الزجاجة". هذا ما أبلغني إياه عبر اتصال تليفوني صديقي الأميركي المقرّب من الإدارة الأميركية والزوج إلى ديبلوماسية أميركية. ولما سألته لماذا أجاب بأن اسرائيل تريد أن تقيم إلى فترة طويلة في الجنوب اللبناني في الخط الأصفر وما بعده مستفيدة من معطيات عديدة.
أولها هو الحرب الأميركية-الايرانية التي لا يتحكّم الرئيس ترامب بتوقيت نهايتها في ظل قدرة ايران على المناورة والصبر وكسب الوقت والصمود أمام الضغوط العسكرية والسياسية والاقتصادية والمالية وكل أشكال الحصار. وثانيها الانتخابات النصفية الأميركية التي تشكّل نتائجها هاجسا للحزب الجمهوري وللبيت الأبيض. ففي حال وصل الحزب الديموقراطي إلى تحقيق أغلبية في مجلس الشيوخ والنواب فإنه سيجد نفسه أمام مشاكل متفجرة يضعها في وجهه الكونغرس وحيث سيفتح مجال المحاكمات لعدد من وزرائه. وثالثها وجود لوبي أميركي داخلي يدافع عن سياسات اليمين الديني اليهودي في اسرائيل. ورابعها كلفة الحرب الباهظة أميركيا على ايران وانعكاساتها المختلفة. وخامسها حدود الضغط الأميركي على "اسرائيل" وتحديدا في الفترة الحالية حيث يُعرب بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه يسرائيل كاتس عن الاعتراض على المقاربة الأميركية في غزة والجنوب اللبناني كون هذا "الاعتراض" يتم توظيفه في الانتخابات الاسرائيلية المقبلة.
ويستنتج هذا الصديق أن الرئيس ترامب وحده هو الذي يمكن أن يضغط على نتنياهو. إنما هذا الأمر مرهون بالأوراق التي يمكن أن يحوزها في الأمور الخمسة وهي مستقبل المفاوضات الأميركية-الايرانية. هذا أولا. وثانيا مدى تجاوب اللوبي اليهودي الانجيلي معه. وثالثا قدرة المعارضة الاسرائيلية في تحقيق أغلبية في الانتخابات الاسرائيلية. ورابعا تحمّل لبنان ظاهرة التصعيد العسكري الاسرائيلي في الجنوب اللبناني سيّما أن الضغوط الكبيرة الأميركية حاليا تسعى إلى عدم تمدده إلى الضاحية الجنوبية وغيرها. وخامسا ظاهرة التماسك الداخلي اللبناني وعدم الذهاب إلى تغليب الاعتبارات الطوائفية ومساندة الرئيس اللبناني العماد جوزاف عون في "ثوابته التفاوضية" وفي صحة رهانه على "الخيار الأميركي" الذي لا تأخذ به اسرائيل في حساباتها اللبنانية. وكل ذلك يقتضي التفافا حول المؤسسة العسكرية اللبنانية وقائدها العماد رودولف هيكل وخصوصا أنها وحدها المؤسسة المتماسكة والتي لا تعكس "مشروعا طوائفيا" وإنما تنشد هوية وطنية جامعة وسيادة كاملة على الحدود وفي الداخل.
إخراج "لبنان وجنوبه من عنق الزجاجة" كيف؟ سؤال تصعب الإجابة عنه. إنما لبنان تاريخيا شكّل استعصاءً على كل الاحتلالات التي مرّت عليه. وهذه ناحية إيجابية. إنما الجانب السلبي فهو المشاريع الطوائفية السياسية التي تعطّل "فكرة الدولة" وبنائها. وهي "مشاريع" لا تُنجب إلا الخلل الداخلي واحتمالات الفتن واستدراج الخارج الاقليمي والدولي إلى الداخل اللبناني. وهنا "مكمن الخطورة" لأن ذلك يستتبع مقاربات مختلفة لمن هو العدو ومن هو الصديق. وكذلك إلى تقديم "الاعتبار الطوائفي" على "الاعتبار الوطني". وأما الأهم حاليا فهو على الأقل تجنّب ترجمة الضغوط العسكرية الاسرائيلية في الجنوب اللبناني وعلى السلطة السياسية باحتكاكات داخلية تودي إلى "فتنة" لا تخدم سوى اسرائيل وحساباتها في "إقامة طويلة" داخل الحدود اللبنانية. ومثل هذا "الاعتبار الطائفي" تمّ تغليبه في الفترة الأخيرة وفقا لقراءات ديبلوماسية مختلفة تتابع ما يجري في لبنان ولا تخفي قلقها من التطورات ومن اندفاع الحسابات الطوائفية المضرّة والمخرّبة.
أيا يكن الأمر حسابات الرئيس الأميركي دونالد ترامب حول كون لبنان منصّة لإدارة شؤون المنطقة تتقاطع وحسابات دولة أميركا العميقة بكل اتجاهاتها. أي أن لبنان يشكّل حلقة مركزية في المشروع الأميركي. ومعنى هذا الأمر لا يمكن على المدى الطويل أن تحول اسرائيل دون هذا المشروع. ما يفترض على لبنان الانتظار وعدم التورّط في فتن داخلية لا يحمينا فيها سوى الالتفاف حول المؤسسة العسكرية تجنّبا لما وقعنا فيه في الحرب الأهلية في العام 1975 والتي انتهت بتفكك الجيش إلى جيوش طوائفية ليس بإرادته وإنما بفعل الزعامات الطائفية. وهكذا لا بديل لدى الرئيس اللبناني العماد جوزاف عون من الوصل بين ثوابته في التفاوض وبين خريطة الطريق في خطاب القسم لبناء الدولة وتكوين "الحاملة الاجتماعية" عبر نخب فكرية وثقافية وسياسية واقتصادية مقتنعة بدولة مدنية جامعة. فخامة الرئيس راهن على النخب في كل الطوائف وأساسا على المؤسسة العسكرية. هذا هو الطريق والمخرج.
59 sec read