اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب


لم يكن خطاب سماحة الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم الأخير مجرّد موقف سياسي في لحظة توتّر، ولا محاولة رفع معنويات أو شدّ عصب. كان ببساطة إعلان نهاية مسار. مسار طويل من التكيّف، وامتصاص الضغط، وتحمّل ما فُرض تحت عناوين "التهدئة" و"تفادي الأسوأ" و"المصلحة الوطنية".

الخطاب قال ما لم يُقَل صراحةً من قبل: المقاومة عادت خطوة إلى الوراء سياسيا، لا لتنسحب، بل لتضع حدا.

هذه الخطوة إلى الوراء ليست تراجعا، بل إعادة تموضع. انتقال من موقع الدفاع السياسي إلى موقع وضع الشروط، من مرحلة كانت فيها المقاومة مطالَبة دائما بتقديم التنازل الإضافي، إلى مرحلة تقول فيها: لا تطلبوا منّا شيئا بعد الآن.

وهنا تكمن خطورة العبارة وبساطتها في آن واحد. فهي لا تعبّر عن انفعال، بل عن إقفال باب. إقفال مرحلة "الطلبات المتدرّجة" التي لا تنتهي، وتحويل أي مطلب جديد إلى مواجهة سياسية مباشرة مع سقف واضح.

الأهم في الخطاب أنه أعاد تعريف العناوين، لا الردّ عليها. ملف نزع السلاح لم يعد في سرديته شأنا داخليا خلافيا، أو بندا تقنيا يُناقَش تحت عناوين القرار 1701 أو جنوب الليطاني، جرى نقله إلى خانة أخرى: مشروع خارجي يستهدف تفكيك عناصر القوة اللبنانية، ويفتح الباب أمام فتنة داخلية قبل أي مواجهة مع العدو.

بهذا التحويل، خرج النقاش من سوق المساومات التقنية، ودخل حيّز الأمن الوجودي، حيث لا تعود اللغة نفسها صالحة ولا الأدوات نفسها مشروعة.

في موازاة ذلك، حرص الخطاب بوضوح لافت على تحصين العلاقة مع الجيش اللبناني، لا تحدّي، لا تهديد، ولا محاولة زجّ في الاشتباك. على العكس، كان هناك إصرار على التأكيد أن الجيش ليس خصما ولا أداة، ولا جزءا من معركة كسر عظم داخلية.

هذه النقطة ليست تفصيلا، بل صمّام أمان. فالسيناريو الأخطر في أي مرحلة ضغط مقبلة ليس المواجهة مع "إسرائيل"، بل الانزلاق إلى احتكاك داخلي يُدخِل الجيش في موقع قسري، ويحوّل الأزمة السياسية إلى انفجار وطني.

الخطاب في جوهره لا يعلن حربا، ولا يبشّر بتصعيد فوري، لكنه يفعل ما هو أخطر سياسيا: يقلّص هامش المناورة، ويرفع كلفة الاختبار. هو خطاب ردع داخلي بقدر ما هو رسالة خارجية. رسالة تقول إن مرحلة إدارة الوقت انتهت، وإن الضغط لم يعد يُمتصّ تلقائيا، بل يُعاد توجيهه إلى من يصرّون على الطلب من طرف واحد.

بهذا المعنى، يمكن القول إن المقاومة لا تتهيّأ للهجوم، بل لعدم التراجع. تجهّز بيئتها، وتغلق مسار التنازلات غير المتبادلة، وتضع الدولة والوسطاء أمام مسؤولياتهم.

"المسار انتهى... والكرة عندكم" ليست جملة إعلامية، بل توصيف دقيق للمرحلة المقبلة.

الخطورة هنا ليست في ما قيل فقط، بل في ما سيأتي بعده. فكل تصريح رسمي يتجاوز هذا السقف، وكل محاولة فرض إجراء أحادي، وكل محاولة زجّ الجيش في مهام حسّاسة، ستكون اختبارا مباشرا لخط أحمر جرى الإعلان عنه بهدوء.

وحين تُعلَن الخطوط الحمراء، لا يعود النقاش حول النوايا، بل حول النتائج. 

الأكثر قراءة

“المركزي” سيُمّدّد العمل بالتعميمين ١٥٨ و١٦٦ من أول تموز