اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

يُشكّل المدني اللبناني، تاريخياً وراهناً، إحدى أكثر الفئات تعرضاً لانتهاكات إسرائيل الجسيمة للقانون الدولي الإنساني، سواء في الحروب الواسعة أو في الاعتداءات المتكررة منخفضة الحدة. غير أن خطورة الوضع لا تكمن فقط في حجم العنف المادي، بل في الإطار القانوني- الخطابي الذي يُعاد من خلاله توصيف هذا المدني، لا بوصفه شخصًا محمياً، بل بوصفه «درعاً بشرياً» أو «عنصراً ملتصقاً بالعمل العسكري». هذا التحول في التوصيف لا يُعدّ مجرد انحراف لغوي، بل هو آلية منهجية لإسقاط الحماية القانونية ونقل المسؤولية عن القتل والدمار من القوة المعتدية إلى الضحية نفسها.

إنّ ما يبيّنه التحليل الحقوقي المتقاطع مع أطروحات كتاب Human Shields (الدروع البشرية)، هو أن إسرائيل، بدعم غربي صريح أو ضمني، لا تنتهك القانون الدولي الإنساني فقط، بل تعمل على إعادة هندسته وظيفياً بما يسمح بتطبيع استهداف المدني اللبناني.

يُعدّ المدني اللبناني شخصاً محمياً بموجب اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949، وبموجب البروتوكول الإضافي الأول لعام 1977، سواء في سياق الاحتلال الجزئي، أو الأعمال العدائية العابرة للحدود، أو النزاعات المسلحة غير الدولية ذات الامتدادات الإقليمية.

هذا الوضع القانوني يفرض على إسرائيل التزامات واضحة لا تقبل التأويل، في مقدّمها احترام مبدأ التمييز بين المدنيين والمقاتلين، ومبدأ التناسب، ومبدأ الاحتياطات الواجبة. ولا يوجد في أي نص قانوني ما يجيز تعليق هذه الالتزامات بسبب طبيعة الخصم أو بسبب ادعاءات عامة حول «الاختباء بين المدنيين».

تكشف الممارسة الإسرائيلية أن مفهوم «الدروع البشرية» يُستخدم بصورة توسعية لتجريد المدني اللبناني من صفته القانونية. فالقرى الجنوبية، والأحياء السكنية، والبنى التحتية المدنية، تُقدَّم بوصفها «بيئة عسكرية»، ما يسمح بإعادة توصيف السكان كـ "عناصر مخاطِرة بطبيعتها».

وفق التحليل الذي يقدّمه غوردون وبيروجيني، فإن هذا التوسيع لا يستند إلى وقائع قابلة للإثبات القضائي، بل إلى افتراض مسبق يهدف إلى قلب عبء الإثبات: يصبح على المدني أن يثبت براءته، بدل أن تلتزم القوة المهاجمة بإثبات مشروعية الاستهداف. قانونياً، هذا يشكّل انتهاكاً مباشراً لمبدأ افتراض الحماية، وهو أحد الأسس غير المكتوبة ولكن المستقرة في القانون الدولي الإنساني.

في الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان، يُستَخدم مبدأ التناسب خطابياً لا قانونياً. فالدمار الواسع الذي يلحق بالمنازل، والطرق، والمرافق الحيوية، يُبرَّر بزعم وجود «أهداف عسكرية قريبة» أو «استغلال مدنيين كدروع».

غير أن التناسب، كما استقر في الفقه والقضاء الدوليين، لا يسمح بأي مقاربة توازن بين «قيمة الهدف العسكري» و "حجم الخسائر المدنية» بصورة مجردة. بل يفرض التزاماً صارماً بتقليل الضرر إلى أدنى حد ممكن، وبالامتناع عن الهجوم متى كان الضرر المتوقع مفرطاً. إن تكرار النمط نفسه من التدمير في لبنان يدل على سياسة ممنهجة لا على أخطاء معزولة، ما يرقى إلى مستوى الانتهاكات الجسيمة وربما جرائم الحرب.

من أخطر أوجه خطاب «الدروع البشرية» أنه يُستخدم لنقل المسؤولية الجنائية عن القتل من الفاعل إلى الضحية. فالمدني اللبناني يُلام لأنه بقي في منزله، أو لأنه يعيش في قرية مستهدفة، أو لأنه لم يغادر منطقة لم يوفَّر فيها أي ممر آمن فعلي.

يتعارض هذا المنطق جذرياً مع مبدأ الاحتياطات الواجبة، الذي يُلزم الطرف المهاجم باتخاذ جميع التدابير الممكنة لحماية المدنيين، لا الاكتفاء بإصدار تحذيرات عامة أو افتراضية. إن تحميل المدني مسؤولية موته يُعدّ، من منظور قانوني، تبريراً لاحقاً لجريمة قائمة.

إنّ أخطر ما يواجه المدني اللبناني لا يتمثل فقط في السلاح الإسرائيلي، بل في الصمت الغربي المؤسسي. فالدول الغربية، بوصفها أطرافاً في اتفاقيات جنيف، ملزمة قانوناً بضمان احترام هذه الاتفاقيات، لا بالاكتفاء بإعلانات سياسية عامة.

إنّ القبول المتكرر بالرواية الإسرائيلية حول «الدروع البشرية»، دون تحقيق مستقل، ودون مساءلة، ودون تفعيل آليات المحاسبة الدولية، يُشكّل إخلالاً جسيماً بهذا الالتزام. هذا الصمت لا يمكن اعتباره حياداً، بل هو مساهمة غير مباشرة في تقويض منظومة الحماية الدولية، وإضفاء شرعية فعلية على استهداف المدنيين اللبنانيين.

يُظهر تحليل كتاب Human Shields أن أخطر نتائج هذا الخطاب هي نزع الإنسانية القانونية عن فئات كاملة من السكان. في الحالة اللبنانية، يُختزل المدني إلى «قرب جغرافي»، أو «سياق أمني»، أو «خطر محتمل».

في هذه اللحظة، لا يعود القانون أداة حماية، بل يتحول إلى لغة تُدار بها الوحشية. المدني اللبناني لا يُقتل خارج القانون، بل يُقتل عبر تأويل منحرف له، وهو ما يجعل المسألة مسألة بنيوية لا عرضية.

إنّ تركيز الخطاب الحقوقي على المدني اللبناني ليس مسألة تضامن أخلاقي فحسب، بل ضرورة قانونية ملحّة. فما يحدث في لبنان يختبر جوهر القانون الدولي الإنساني، ويكشف مدى قابليته للاختطاف حين تتواطأ القوة العسكرية مع الصمت السياسي.

إنّ استخدام إسرائيل الممنهج لمفهوم «الدروع البشرية» لتبرير استهداف المدنيين اللبنانيين، مقروناً بتقاعس غربي عن المساءلة، لا يمثّل فقط انتهاكاً للاتفاقيات الدولية، بل تهديداً وجودياً لفكرة الحماية ذاتها.

إنّ الدفاع عن المدني اللبناني هو، في جوهره، دفاع عن بقاء القانون الدولي الإنساني كمنظومة ذات معنى، لا كواجهة أخلاقية تُشرعن الوحشية.

الأكثر قراءة

ليلة القبض على دونالد ترامب