اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب


يُعاد طرح شعار «إيكال الحماية للجيش وحصر السلاح بيد الدولة» بوصفه مسلّمة سياسية وأخلاقية، كأنه قرار إراديّ محض أو إعلان نوايا يكفي وحده لتغيير الوقائع. غير أنّ التجربة التاريخية، ومن بينها ما وثّقته صحيفة اللواء (أنظر الصورة المرفقة) في سبعينيات القرن الماضي، حيث عنونت على الصفحة الأولى من عددها الصادر بتاريخ 29 كانون الثاني 1971: «الخطوط العريضة للمشروع الدفاعي الذي أعدّته الحكومة»، وبالمانشيت العريض: «تزويد لبنان بصواريخ ومدفعية مضادّة للطائرات»، تُظهر بوضوح أنّ الحصرية ليست شعاراً بل نتيجة: نتيجة تسليحٍ محدّد النوع، معلوم المصدر، مؤمَّن التمويل، ومُحاط بإرادة سياسية وسيادية متماسكة. من دون هذه الشروط، تتحوّل «نظرية الدولة الحامية» إلى وعدٍ مجرّد، وتغدو «حصرية السلاح» فكرة وهمية غير قابلة للتطبيق.

1- الحماية ليست تفويضاً بل قدرة

إنّ إيكال الحماية للجيش لا يعني تفويضاً أخلاقياً أو قانونياً فحسب، بل نقل عبء الدفاع إلى مؤسسة لا بد أن تمتلك أدواته. الدفاع الجوي، كما دلّت مبادرة السبعينيات، ليس ترفاً تقنياً بل شرط سيادي أساسي. فالدولة التي تقبل بمبدأ حماية أجوائها تحتاج منظومات إنذار، صواريخ اعتراض، مدفعية فعّالة، وسلسلة قيادة وتحكّم قادرة على العمل تحت الضغط. من دون هذه القدرة، يصبح التفويض فارغاً، وتُستبدل السيادة بإدارة مخاطر مؤقّتة.

2- النوع قبل الكمية: أي تسليح نريد؟

فالمعضلة ليست في «تسليح» الجيش على نحو عام، بل في نوع التسليح. تُظهر التجربة اللبنانية أنّ تسليحاً خفيفاً أو دفاعاً أرضياً محدوداً لا يحسم معادلة الحماية حين تكون السماء مفتوحة. ما ورد في وثيقة اللواء-صواريخ ومدفعية مضادّة للطائرات- كان إدراكاً مبكّراً لطبيعة التهديد. اليوم، يتوسّع السؤال ليشمل الحرب الإلكترونية، الطائرات المسيّرة، وأنظمة الاعتراض القصير والمتوسط المدى. إنّ حصرية السلاح تُبنى حين يمتلك الجيش الوظيفة الدفاعية الحاسمة لا حين يكتفي بإدارة الأمن الداخلي.

3- المصدر: سيادة القرار أم ارتهانه؟

إنّ مصدر السلاح ليس تفصيلاً لوجستياً. فالسلاح المشروط سياسيًا يُنتج حصرية مشروطة؛ أي دولة تُفوّض حماية سيادتها لغيرها ضمن سقوف مرسومة. لقد اصطدم مشروع السبعينيات- كما اصطدمت مشاريع لاحقة-بعقبات الإمداد والفيتو. النتيجة واحدة: كلما كان المصدر مُقيِّدًا، تآكلت قابلية التطبيق. تفترض السيادة الدفاعية تنويع المصادر، نقل معرفة، وقدرة صيانة مستقلة. من دون ذلك، تتحوّل الحصرية إلى تبعية مُقنّعة.

4- التمويل: كلفة الحماية ومن يدفعها

لا حصرية بلا تمويل مستدام. الدفاع الجوي، والتحديث المستمر، والتدريب، والجاهزية، كلفتها عالية. حين لا تُدرج الحماية ضمن أولويات الموازنة والسياسات المالية، تُلقى المهمّة على غير القادرين، أو تُترك فراغات تُملأ بحلول خارج الدولة. إنّ التمويل ليس بنداً تقنياً؛ هو إعلان سياسي بأنّ الحماية حق عام تُموّله الدولة وتُحاسَب عليه. من دونه، تصبح المطالبة بحصرية السلاح مطالبة بلا حامل مالي.

5- الإرادة السياسية: الشرط الغائب

ما كشفته تجربة السبعينيات أنّ التصوّر الدفاعي قد يُكتب ويُعلن، لكنّه يسقط عند أول اختبار للإرادة. الإرادة السياسية تعني قبول الكلفة، مواجهة الضغوط، وبناء إجماع وطني حول وظيفة الجيش. من دون هذا الإجماع، تُختزل الحصرية إلى خطاب انقسامي: فريق يطالب بها كقيمة، وآخر يرفضها كخطر، فيما الواقع يفرض حلولاً هجينة.

6- من الشعار إلى المعادلة

إذا أردنا تحويل «إيكال الحماية للجيش» من شعار إلى سياسة، فالمعادلة واضحة:

• تسليح نوعي يطابق طبيعة التهديد (وفي القلب منه الدفاع الجوي).

• مصادر غير مُقيدة تسمح بالاستقلالية التشغيلية.

• تمويل مستدام يضمن الجاهزية لا الصيانة الرمزية.

• إرادة سياسية جامعة تُحوّل الحصرية من مطلب إلى نتيجة.

7- الوهم وخطره

إنّ الخطر الأكبر في التمسّك بحصرية بلا شروط أنّها تُنتج فراغاً دفاعياً. الفراغ لا يبقى فارغاً؛ إمّا يُملأ بقوى الأمر الواقع، أو بتدويل غير مُعلن للأمن. في الحالتين، تُفقد الدولة قدرتها على الادّعاء بأنها الحامي الوحيد. الوهم هنا ليس نظرياً، بل عملياً: دولة تطلب احتكار السلاح من دون أن تحتكر القدرة.

خلاصة

تُذكّرنا الوثيقة بأنّ الدولة التي فكّرت يوماً بتزويد نفسها بصواريخ ومدفعية مضادّة للطائرات كانت تدرك أنّ الحماية قرار مُكلف، وأنّ الحصرية تُبنى من أعلى- من السماء- قبل الأرض. اليوم، لا يكفي ترداد الشعار. إمّا أن نُعيد بناء شروطه كاملة، أو نعترف بأنّ «نظرية الدولة الحامية» من دون تسليحٍ نوعي، مصدرٍ مستقل، تمويلٍ كافٍ، وإرادة سياسية، ليست أكثر من فكرة … غير قابلة للتطبيق.

الأكثر قراءة

ليلة القبض على دونالد ترامب