اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

يعيش قطاع الصيد البحري في لبنان اليوم واحدة من أصعب مراحله التاريخية، حيث لم يعد التحدي مقتصرا على تأمين لقمة العيش اليومية لآلاف الصيادين، بل امتد ليشمل خطرًا وجوديا يهدد النظم البيئية البحرية على طول الساحل اللبناني. إن ما يشهده البحر اللبناني من تدهور، ليس مجرد تراجع في كميات الصيد، بل هو انهيار تدريجي في التوازن البيولوجي الذي استغرق آلاف السنين ليتشكل.

هذا التدهور البيئي ينعكس بشكل مباشر على حياة المجتمعات الساحلية، التي ارتبط مصيرها بالبحر، مما يجعل قضية حماية الثروة السمكية قضية إنسانية وبيئية بامتياز تتطلب تدخلاً عاجلاً، يتجاوز الحلول المؤقتة إلى سياسات جذرية تعيد الاعتبار للموارد الطبيعية وتضمن حق الأجيال القادمة في بحر معطاء.

وعليه، جاء المؤتمر الوطني لمصايد الأسماك الذي عُقد في السراي الكبير ببيروت، تحت شعار "ليرجع النبض للبحر"، ليضع هذه الأزمات البيئية على طاولة البحث الجدي، مؤسساً لمرحلة جديدة من التعاون بين الوزارات المعنية، والمنظمات الدولية مثل IndyACT، والنقابات، بهدف الانتقال من المعالجات العشوائية إلى سياسات مستدامة تحمي الموارد البحرية وتضمن كرامة الصياد اللبناني.

بيئة بحرية غنية تحت ضغط التلوّث المستمر

يتميّز البحر اللبناني بتنوّع ملحوظ في الأنواع السمكية، سواء تلك المحلية أو الأنواع الغازية التي دخلت عبر قناة السويس خلال العقود الأخيرة. ورغم أن هذا التنوع كان في فترات سابقة عامل جذب للصيادين والأسواق المحلية، إلا أنّه بات اليوم هشا بفعل الضغوط البيئية المتزايدة. فاختلال التوازن البيئي البحري، الناتج من التلوث والتغيّر المناخي، جعل العديد من الأنواع المحلية عرضة للتراجع أو الاختفاء التدريجي، مقابل انتشار أنواع دخيلة تنافسها على الغذاء والموائل.

هذا التدهور البيئي يتفاقم بسبب التدفق المستمر للمياه العادمة غير المعالجة والنفايات الصلبة، التي تستقر في قاع البحر، مما يدمر أعشاب البحر والممرات الصخرية التي تعتبر "المستشفيات الطبيعية"، حيث تضع الأسماك بيوضها وتنمو صغارها. عندما نفقد هذه الموائل، نفقد قدرة البحر على تجديد نفسه، ويتحول التلوث من مجرد مشكلة بصرية على الشاطئ إلى سموم صامتة تتسرب إلى السلسلة الغذائية وتقتل التنوع الحيوي من جذوره.

القاتل الأكبر والصامت للبيئة البحرية

يُعدّ التلوث البحري التحدي الأبرز الذي يواجه الثروة السمكية في لبنان، وهو الجرح النازف الذي يمنع البحر من استعادة عافيته. فتصريف مياه الصرف الصحي غير المعالجة مباشرة في البحر، إلى جانب النفايات الصناعية والزراعية، حول مساحات واسعة من الساحل إلى بيئات غير صالحة للحياة البحرية، حيث تختنق الموائل الطبيعية تحت وطأة المواد الكيميائية والنفايات الصلبة.

هذا التلوث لا يؤثر فقط في أعداد الأسماك، بل ينعكس أيضا على جودتها وسلامتها الصحية، ما يهدد صحة المستهلك ويضعف الثقة بالمنتج المحلي، ويخلق حلقة مفرغة من الأزمات الصحية والاقتصادية. ومع غياب البنى التحتية الكافية لمعالجة المياه المبتذلة، تتفاقم المشكلة عاما بعد عام، لتتحول إلى أزمة بيئية مزمنة تقضي على التنوع البيولوجي، وتدمر أعشاب البحر التي تعمل كمصانع للأكسجين وملاجئ لصغار الأسماك، مما يجعل قاع البحر في مناطق معينة مجرد صحاري ميتة تخلو من أي نبض للحياة.

الصيد الجائر وغياب التنظيم

إلى جانب التلوث، يشكّل الصيد الجائر عاملا رئيسيا في استنزاف المخزون السمكي وتدمير السلسلة الغذائية البحرية. فغياب الرقابة الفعّالة، واستخدام وسائل صيد غير قانونية، مثل الشباك ذات الثقوب الضيقة التي لا تفرق بين سمكة ناضجة وأخرى في طور النمو، أو الصيد في مواسم التكاثر الحساسة، أدّى إلى تراجع قدرة الأسماك على التجدد الطبيعي واستمرارية الأنواع.

ويزداد الوضع سوءا في ظل الضغوط الاقتصادية القاسية التي تدفع بعض الصيادين مرغمين، إلى تكثيف الصيد لتعويض تراجع مداخيلهم، ما يخلق حلقة مفرغة من الاستنزاف البيئي والمعيشي في آن واحد. فكلما زاد الصيد العشوائي، قلّ المخزون في المستقبل، مما يضع الصياد في مواجهة مباشرة مع فقر البحر.

إن هذا الغياب للتنظيم والرقابة يحول المورد العام إلى ساحة للاستغلال المفرط، مما يهدد بتصحر البحر وفقدان التوازن الذي يحافظ على إنتاجية مياهنا الإقليمية.

المسار الإنقاذي: من المؤتمر الوطني

الى المحميات المستدامة

أمام هذا الواقع المأساوي، جاء المؤتمر الوطني لمصايد الأسماك، الذي استضافه السراي الكبير في بيروت كصرخة إنقاذ جماعية، حيث اجتمع المسؤولون والخبراء ومنظمات المجتمع المدني مثل IndyACT ، للتأكيد على أن الحل يبدأ بوقف التعديات البيئية وإعادة حوكمة البحر بشكل تشاركي. إن الالتزام بإنشاء شبكة من المحميات البحرية الفعالة، التي تغطي 30% من المياه اللبنانية، يمثل المسار العلمي الوحيد، الذي يمنح الطبيعة فرصة لالتقاط أنفاسها، بعيداً عن ضجيج المحركات وجور الشباك، حيث تعمل هذه المحميات كمخازن طبيعية تفيض بالأسماك إلى المناطق المفتوحة للصيد.

إن الهدف الذي يسعى إليه لبنان تحت شعار "ليرجع النبض للبحر"، هو الوصول إلى إدارة تحترم القوانين البيئية، وتجعل من الحفاظ على نظافة البحر واستدامة موارده مسؤولية أخلاقية ووطنية، تضمن للصياد اللبناني مستقبلاً آمناً وللأجيال القادمة بحراً غنياً بالحياة.

أخيراً، إن إنقاذ الثروة السمكية في لبنان ليس مجرد مهمة تقنية أو إدارية، بل هو التزام أخلاقي تجاه بيئة بحرية استنزفت لسنوات طويلة وتجاه مجتمع صيادين يرفض الاستسلام للواقع المرير. إن الطريق نحو استدامة الموارد البحرية يتطلب شجاعة في اتخاذ القرار، تبدأ بوقف تدفق السموم الملوثة إلى شواطئنا، ولا تنتهي عند فرض الرقابة الصارمة على الصيد العشوائي.

إن تبني نموذج المحميات البحرية، الذي كان محوراً أساسياً في المؤتمر الوطني لمصايد الأسماك، يمثل بارقة أمل حقيقية لاستعادة التوازن المفقود. فهو يجسد المصالحة الضرورية بين حاجة الإنسان وقوانين الطبيعة.

لن يعود "النبض للبحر" بالشعارات فقط، بل من خلال تحويل التوصيات العلمية إلى واقع ملموس يحمي بيئتنا البحرية ويضمن لكل صياد لبناني أن يظل البحر بالنسبة له ولأبنائه مصدراً للحياة والكرامة، وليس مجرد ذكرى لثروة ضائعة. 

الأكثر قراءة

رسائل من بعبدا للداخل والخارج وعون يؤكد: الحل بالحوار «إسرائيل» طلبت نقل الاجتماعات من الناقورة إعترافات خطيرة امام عثمان... و«ابو عمر»: انا تاجر مش أمير