اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب


في السنوات الأخيرة، بدأ سرطان البروستات يُلفت انتباه الباحثين ليس فقط بوصفه أحد أكثر السرطانات شيوعًا بين الرجال، بل أيضًا بسبب العوامل البيئية الخفية التي قد تسهم في زيادة خطر الإصابة به. ومن بين هذه العوامل، يبرز تلوث الهواء كأحد أكثر المسببات إثارة للقلق، في ظل تراكم أدلة علمية تشير إلى وجود علاقة متنامية بين التعرض المزمن للهواء الملوث وارتفاع معدلات الإصابة بسرطان البروستات، لا سيما في البيئات الحضرية والصناعية.

لطالما ارتبط تلوث الهواء بأمراض الجهاز التنفسي والقلب، إلا أن الأبحاث الحديثة وسّعت نطاق القلق ليشمل تأثيره على الصحة الهرمونية والخلوية. فالجسيمات الدقيقة العالقة في الهواء، مثل PM2.5 وأكاسيد النيتروجين والمركبات الكيميائية الناتجة عن عوادم السيارات والأنشطة الصناعية، قادرة على اختراق الرئتين والدخول إلى مجرى الدم. ومع مرور الوقت، يمكن لهذه الملوثات أن تُحدث التهابات مزمنة وإجهادًا تأكسديًا يضر بالحمض النووي للخلايا، ما يهيئ بيئة مناسبة لنشوء الأورام، بما في ذلك أورام البروستات.

هذا وتشير دراسات متزايدة إلى أن بعض ملوثات الهواء تعمل كـ مُعطِّلات للغدد الصماء، أي أنها تتداخل مع التوازن الهرموني في الجسم. وبما أن سرطان البروستات يرتبط بشكل وثيق بهرمون التستوستيرون وتنظيمه داخل الجسم، فإن أي خلل هرموني مزمن قد يزيد من خطر التحولات السرطانية في خلايا البروستات. كما أن التعرض طويل الأمد للتلوث قد يضعف قدرة الجهاز المناعي على اكتشاف الخلايا غير الطبيعية والقضاء عليها في مراحل مبكرة.

كما أظهرت أبحاث وبائية أُجريت في دول صناعية كبرى أن الرجال الذين يعيشون في مناطق ذات مستويات مرتفعة من تلوث الهواء، خاصة بالقرب من الطرق السريعة والمناطق الصناعية، لديهم معدلات أعلى للإصابة بسرطان البروستات، خصوصًا الأشكال الأكثر عدوانية منه. اللافت أن هذا الارتباط يزداد وضوحًا مع طول فترة التعرض، ما يعزز فرضية أن التأثير تراكمي وليس آنيًا.

يُعد التقدم في العمر العامل الأبرز، إذ ترتفع احتمالات الإصابة بشكل ملحوظ بعد سن الخمسين، وتزداد أكثر بعد سن الستين. كما تلعب العوامل الوراثية دورًا مهمًا، حيث يكون الرجال الذين لديهم تاريخ عائلي للمرض أكثر عرضة للإصابة. إلى جانب ذلك، تشير البيانات إلى أن الرجال المقيمين في المدن الكبرى ذات الكثافة المرورية العالية أو العاملين في بيئات صناعية ملوثة يواجهون خطرًا مضاعفًا، خاصة إذا ترافق ذلك مع نمط حياة غير صحي، مثل قلة النشاط البدني وسوء التغذية.

لا يعمل تلوث الهواء بمعزل عن غيره من العوامل. فالتدخين، والسمنة، والنظام الغذائي الغني بالدهون المشبعة، كلها عناصر قد تتفاعل مع التلوث لتزيد من العبء الالتهابي في الجسم. هذا التداخل يجعل من الصعب عزل سبب واحد للإصابة، لكنه في الوقت نفسه يسلط الضوء على أهمية النظر إلى سرطان البروستات كمرض متعدد العوامل، تتشابك فيه البيئة مع الوراثة ونمط الحياة.

في ظل هذه المعطيات، تبرز أهمية الوقاية والكشف المبكر، خاصة لدى الفئات الأكثر عرضة للخطر. تقليل التعرض لتلوث الهواء قدر الإمكان، سواء عبر استخدام وسائل حماية في البيئات الملوثة أو دعم السياسات البيئية النظيفة، قد يكون جزءًا من استراتيجية أوسع لحماية صحة الرجال. كما يبقى الفحص الدوري ورفع الوعي الصحي عنصرين أساسيين في تقليل معدلات الإصابة والوفيات المرتبطة بسرطان البروستات.

في المحصلة، يكشف الربط المتزايد بين تلوث الهواء وسرطان البروستات عن بُعد جديد للأزمة البيئية العالمية، لا يقتصر على المناخ أو الجهاز التنفسي فحسب، بل يمتد ليطال صحة الإنسان على المستوى الخلوي. وهو ما يجعل تحسين جودة الهواء قضية صحية بامتياز، لا تقل أهمية عن أي إجراء طبي وقائي آخر.

الأكثر قراءة

رسائل من بعبدا للداخل والخارج وعون يؤكد: الحل بالحوار «إسرائيل» طلبت نقل الاجتماعات من الناقورة إعترافات خطيرة امام عثمان... و«ابو عمر»: انا تاجر مش أمير