اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

في صيف 1953، لم يُحسَم الصراع في إيران داخل الثكنات وحدها، بل في الشارع أيضاً. وبينما جرى التخطيط السياسي والاستخباراتي في مستويات عليا، كان التنفيذ الميداني يعتمد على شخصيات قادرة على تحويل التوتّر إلى مشهد. هنا، يبرز اسما شعبان جعفري وملكة اعتضادي، بوصفهما وجهين مختلفين لوظيفة واحدة: صناعة "الشارع" في لحظة الانقلاب على حكومة محمد مصدّق.

جعفري، المعروف بلقب "شعبان بي مُخ" (بلا عقل)، كان زعيم شِلّة من أحياء جنوب طهران، يرتبط بثقافة "البلطجة" والزورخانه، ويملك شبكة جاهزة من زعران الشوارع القادرين على الحشد والاشتباك. دوره لم يكن تنظيرياً، بل كان عملياً: تحريك مجموعات تضغط على خصوم الشاه، مهاجمة مقارّ صحف وأحزاب، وإنتاج مشهد فوضى يُظهِر الدولة عاجزة. في الانقلابات، الفوضى ليست خطأً، إنها أداة تبرير. وجود جعفري ومن معه منح التحرك صورة "الغضب الشعبي"، وسهّل لاحقاً تدخل وحدات عسكرية مؤيدة للشاه باعتبارها تعيد النظام.

على الضفة الأخرى، أدّت ملكة اعتضادي دوراً مختلفاً لكنه مكمّل. كانت معروفة بإدارتها شبكة نسائية في حيّ "قلعة" المخصّص للدعارة في طهران، وامتلكت نفوذاً داخل ذلك الهامش الاجتماعي. في يوم الانقلاب، ظهرت في الإذاعة الوطنية لتتحدث عن "ثورة شعبية"، كما قادت مجموعات نسائية خرجت إلى الشارع رافعة صور الشاه. لم يكن دورها عسكرياً، بل رمزياً – دعائياً: توسيع صورة الحشد ليبدو شاملاً، وإظهار أن فئات غير مسيّسة سابقاً انخرطت في التحرك.

هكذا تلاقت وظيفتان: جعفري يصنع الضغط والخشونة، واعتضادي تصنع المشهد والاتساع الاجتماعي. كلاهما لم يكن مهندس الانقلاب، لكنهما شكّلا أداتين حاسمتين في تحويل خطة سياسية إلى واقعٍ مرئيّ في شوارع طهران.

ولعب أبو القاسم الكاشاني دوراً محورياً في السياق الذي سبق إسقاط حكومة محمد مصدّق عام 1953، لا بوصفه مهندس الانقلاب، بل كعامل ترجيح سياسي وديني. كان في البداية داعماً لتأميم النفط، ومنح مصدّق غطاءً شرعياً مهماً لدى القاعدة المحافظة. لكن مع تصاعد الخلافات حول صلاحيات الحكومة وحلّ البرلمان، تحوّل إلى معارض، وسحب دعمه في لحظة حساسة.

هذا التحوّل أضعف الإجماع الوطني حول مصدّق، وفتح المجال أمام خصومه لتصويره كزعيم معزول. في لحظات الأزمات، قد يكون فقدان الحليف أخطر من مواجهة الخصم.

الأكثر قراءة

ليلة القبض على دونالد ترامب