فعلتها أميركا ومعها العدو الإسرائيلي، وتمكّنا من استهداف المرشد الأعلى لإيران السيد علي خامنئي، ما أدى إلى استشهاده، وهو عمل مدان على كل الصعد، إذ يمثّل انتهاكًا صارخًا للأعراف الأخلاقية والدولية.
في ظل هذا الحدث الخطِر، لا شك أن إيران وحلفاءها يواجهون عدوًا يتفوق عليهم تكنولوجيًا بأجيال. وإذا قلنا إن هنالك مرحلة زمنية امتدت تدريجيًا من تموز 2006 إلى تشرين الأول 2023، شهدت نوعًا من التوازن في القدرات الردعية لا الهجومية، في المنطقة بين محور المقاومة والعدو الإسرائيلي، فإن نتائج حرب أكتوبر وصولًا إلى الحرب الدائرة الآن، تُظهر أن الموازين قد تغيّرت. فقد تمكن العدو الإسرائيلي والمعسكر الداعم له من تطوير تقنيات رصد وتتبع وجمع معلومات، معززة بقدرات الذكاء الاصطناعي، أتاحت له تنفيذ استهدافات دقيقة ومتزامنة لعدد كبير من الأهداف في آنٍ واحد في الحروب الأخيرة.
بالتوازي، تمكنت إيران خلال حرب الـ12 يومًا الصيف الفائت وفي الحرب الحالية، من إيلام العدو الإسرائيلي بالصواريخ، رغم الضربات الموجعة جدًا التي تلقتها. غير أن هذا التوازن في القدرة على الإيلام يقابله خلل بنيوي في ميزان التفوق الاستخباراتي والمعلوماتي، ما شكّل نقطة ضعف كبيرة استغلها الإسرائيليون ومعهم الأميركيون إلى أقصى حد، وصولًا إلى استهداف رأس الدولة الإيرانية. وهنا يكمن التحول الأخطر: من توازن ردعي قائم على القدرة على الإيذاء المتفاوت والمتبادل، إلى تفوق استخباراتي مقرون بأسلحة متطورة قادرة على اختراق مختلف أنماط التحصين، بما يسمح بالوصول إلى مراكز القرار ذاتها.
إن هذا التطور الخطِر يطرح علامات استفهام وتساؤلات مصيرية حول مستقبل هذا الصراع، والأشكال والمنعطفات التي يمكن أن يأخذها، بعدما ثبت لدى الطرف الآخر القدرة على استهداف وقتل أي هدف، مهما كان محصنًا، أو مهما علت رتبته ومكانته، ما يعني عمليًا سقوط مفهوم «التحصين المطلق» في عصر الرصد الاستشعاري الفضائي المتكامل والذكاء الاصطناعي.
والأهم والأخطر أن لا قدرة لأي دولة خارج الثنائي واشنطن – تل أبيب على وضع خطوط حمراء أمام ترامب ونتنياهو، بما فيها روسيا والصين؛ بل إن الإشكالية في حال هاتين الدولتين تتعدى القدرة إلى حدود الإرادة السياسية. فموسكو وبكين، رغم شراكاتهما الاستراتيجية مع طهران، تتصرفان ببراغماتية باردة تتمثل في دعمٍ محسوبٍ يمنع السقوط الكامل، لكنه لا يصل إلى حد وضع خطوط حمراء أمام واشنطن. وتبقى قدرة إيران الذاتية على متابعة الحرب وقصفها المستمر لتل أبيب والأراضي المحتلة العنصر الأساسي في تشكيل مستقبل هذا الصراع، إذ إن استمرار القدرة على الإيلام هو العامل الوحيد القادر على منع تحويل التفوق الاستخباراتي إلى حسم نهائي، أو إلى فرض وقائع أحادية الجانب.
هذا وأصبح معلومًا من التصريحات والتسريبات، أن هذه الحرب تتضمن مراحل عديدة ذات أهداف عسكرية ونفسية متداخلة، توصل إلى الهدف الإسرائيلي الأميركي النهائي المتمثل في تغيير النظام الإيراني من الداخل، عبر الجمع بين الضغط العسكري والاختراق المعلوماتي والحرب النفسية المنظمة، وهنا تتقاطع الجبهة الخارجية مع الجبهة الداخلية في معركة مركّبة. والمسألة تعتمد على قدرة السلطات الإيرانية على التفرقة بين المطالب المعيشية للشعب الإيراني وموجات الشغب المتعمدة من أطراف على اتصال بالخارج، وإلا فإن معركة الداخل قد تصبح أخطر من معركة السماء والصواريخ.
ما حصل ويحصل في إيران والمنطقة أمر خطِر وبالغ الأهمية، وتجرؤ الرئيس الأميركي مرة ثانية على استهداف رأس دولة ذات سيادة يكرّس نهجًا دوليًا سيكون من الصعب إبطاله. وهنا لا بد للمعنيين في الصين وروسيا من التفكير مليًا بالتساؤلات الآتية: أليست إيران بالنسبة لهما جزءًا من شبكة موازنة النفوذ الأميركي في أوراسيا؟ ألا يشكل نجاح عملية بهذا المستوى رسالة مباشرة إلى دول العالم مفادها أن لا مظلة ردع حقيقية خارج المنظومة الغربية؟ أليس في ذلك ما يضرب صورة روسيا والصين كقوتين قادرتين على حماية شركائهما، ويضعف جاذبيتهما كشريكين استراتيجيين لدول تفكر في الابتعاد عن الغرب؟
على كل حال، إن عالمًا لا توجد فيه خطوط حمراء أو موانع أو إطار دولي يحمي حقوق الشعوب وسيادة دولها هو عالمٌ خطرٌ ومخيف، ليس لنا كلبنانيين وشرقيين فحسب بل للبشرية جمعاء. جميعنا يعلم أن الأمم المتحدة ليست المؤسسة الأكثر فعالية، ولكن لنتخيل العالم دونها ودون أي إطار دولي جامع. نعرف النتيجة سلفًا: حربان عالميتان أجهزتا على أكثر من مئة مليون من البشر. واليوم، ومع تفكك النظام الدولي وتراجع فاعلية القانون الدولي، يبدو العالم وكأنه يعود تدريجيًا إلى منطق القوة العارية وزمن الامبريالية المطلقة!
يتم قراءة الآن
الأكثر قراءة
عاجل 24/7
-
08:43
غارة من مسيرة إسرائيلية على محيط بلدة صديقين جنوبي لبنان
-
08:43
غارة إسرائيلية على أطراف بلدة بلاط في قضاء مرجعيون جنوبي لبنان
-
08:30
وزارة الصحة: 5 شهداء و48 جريحاً في غارات إسرائيلية على البرج الشمالي وعبا وتبنين جنوب البلاد
-
08:29
الدفاع المدني في جنوب لبنان: 6 شهداء في غارتين من مسيرتين إسرائيليتين على منطقة الحوش في قضاء صور
-
07:56
استشهاد مسعف في جمعية الرسالة للإسعاف الصحي في غارة على بلدة عربصاليم قضاء النبطية
-
07:51
المتحدث باسم لجنة الأمن القومي في مجلس الشورى إبراهيم رضائي عبر "إكس": الأميركيون أثبتوا أنهم يفهمون لغة الصواريخ أفضل من لغة الدبلوماسيين
