اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

لا أحد يستطيع أن ينكر بأن الحرب الأميركية – الاسرائيلية على ايران أقحمت المنطقة عموما في «مرحلة الجحيم». جحيم شامل لا يستثني أحدا. لا في ايران ولا في الخليج ولا في اسرائيل ولا في»بلاد الشام» بما فيها لبنان. و»الجحيم» لا حدود له في أسعار النفط والغاز والبورصة والأسواق المالية والإقتصادية وتبادل السلع الأساسية.

وأما التقدير «لجنون الجحيم» فإنه يطول نسبيا في الزمن. ذلك أن التقديرات عن حرب ينهيها الرئيس الأميركي دونالد ترامب في أيام أثبتت أن لا مكان لها في الحقيقة. وأن هذه الحرب تمتد لأسابيع وتغلق إمكانية التفاوض القريب في الأيام القادمة رغم المساعي المتعددة دوليا وإقليميا إليها. وهذا يعني أن سياسات التدمير مستمرة ومتواصلة ومعها تبادل الرسائل العسكرية.

وفي الحسابات الكل يعرف أن الولايات المتحدة الأميركية هي أهم قوة عسكرية في العالم وأقوى دولة وتمتلك أسلحة نوعية وطائرات شبحية لا ترصدها الرادارات ولا تصيبها بأذى وسائل الدفاع الجوي وكذلك بوارج حربية وحاملات طائرات وقواعد عسكرية في المحيط الايراني وجواره. كما أن واشنطن تعتمد على دولة في المنطقة والجغرافيا هي اسرائيل وتعتبرها حصان الرهان الأميركي. إنما كل ذلك لا يستتبع حسما عسكريا ولا تغييرا في النظام الايراني ولا في الولاء والعقيدة. لماذا؟ لأن ايران دولة اقليمية بجغرافيا واسعة وبحدود مفتوحة على عدد كبير من الدول وتمتلك ترسانة متقدمة من الصواريخ البعيدة المدى وطوّرت برنامجها النووي ومعه تخصيب اليورانيوم ما يمكّنها في حال تواصل الضغوط العسكرية عليها إنتاج سلاح نووي يوفّر لها توازنا وأمانا. كما أن القيادة الايرانية تدرك بأن القصف من البر والبحر وإن كان يلحق ضررا فادحا في البنية التحتية الايرانية غير أنه لا ينتج انتصارا عسكريا لواشنطن وتل أبيب. ما يعني عمليا أن الولايات المتحدة مضطرة للمغامرة في حرب برية ليست سهلة عليها ويمكن أن تكون في مثابة فيتنام جديدة توفّر معارضة واسعة في الداخل الأميركي. وهذا ما يفسّر الإرباك الحالي في وسط الدائرة الأميركية المحيطة بالرئيس ترامب والذي يمكن قراءته في التعارضات بين مضامين التصاريح اليومية التي يدلي بها سيد البيت الأبيض ووزير خارجيته ووزير دفاعه.

وعندما سئل الرئيس ترامب إذا كان يراهن في المستقبل القريب على ابن الشاه كان جوابه النفي وأن رهانه هو على «شخص معتدل» يقيم في ايران. وبالتأكيد فإن مثل هذا الرهان هو على شخص من النظام الحالي. وهذا الرهان معناه العملي أن ترامب يعتقد أن العمليات العسكرية الأميركية في مقدورها دفع القيادة الايرانية إلى «المساومة» ويراهن على «اتصالات شخصيات» لا تعبّر عن حقيقة الموقف الايراني الرسمي الذي لا يعترض على التفاوض ولكنه غير مستعجل عليه.

وواقع الأمر أن الرئيس ترامب لا يريد حاليا «وسطاء». فهو يعتقد أنه يستطيع «فرض ما يريد». وهذا ما لا تراه التقديرات في السياسة الخارجية الروسية. فقد أعلن ممثل روسيا لدى المنظمات الدولية في فيينا ميخائيل أوليانوف بأن موسكو مستعدة للتوسّط في النزاع الحالي حول ايران لكنه استبعد قبول واشنطن. فالأميركيون لا يحتاجون إلى وسيط مثل روسيا. فهم يحتاجون إلى ساعي بريد وروسيا لن تقبل بذلك بل بدور المفاوض. وهذا الأمر غير مطروح حاليا. وفي تقديره أنه لم يكن هناك أي مبرر للعملية العسكرية. كما يستبعد عقد جلسات تفاوضية في المستقبل القريب.

والمفارقة أن القراءة الروسية للمفاوضات الأميركية – الايرانية التي جرت في فيينا كانت قريبة من نتائج إيجابية وأن خداعا أميركيا قد حصل. وتستند هذه القراءة إلى ما كان قد كتبه كبير المستشارين علي خامنئي للمرشد الأعلى على منصة X أثناء المحادثات من أن «الإتفاق الفوري في متناول اليد». ولعل هذه الحقيقة هي التي تفسّر اجتماع الإمام الخامنئي علنا بمسؤولين ايرانيين كبار لحظة اغتياله ومستشاره علي شمخاني.

وأيا يكن الأمر باب المفاوضات يفتح لحظة وصول الحرب إلى مأزق لكل الأطراف والخروج من معادلة الوسيط ساعي البريد إلى الوسيط المفاوض.