اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

كشفت الحفريات الأثرية في أكثر من موقع ضمن ولاية الدقم بسلطنة عُمان عن أدلة مهمة تؤكد أن أول استيطان بشري في المنطقة يعود إلى نحو 100 ألف عام، وهو ما يسلّط الضوء على الدور التاريخي الذي لعبته هذه المنطقة في مسارات الهجرة البشرية القديمة. وتعد هذه الاكتشافات من أبرز الشواهد التي تساعد العلماء على فهم كيفية انتقال الإنسان العاقل من أفريقيا إلى مناطق الجزيرة العربية ثم إلى أوراسيا، وما رافق تلك الرحلات من تكيفات بيئية وثقافية عبر آلاف السنين.

وأفادت وزارة التراث والسياحة في السلطنة أن أعمال المسح والتنقيب الأثري، خصوصاً في وادي نفون، كشفت عن معطيات علمية جديدة تعزز هذا التصور. فقد أظهرت الدراسات الميدانية وجود أدوات حجرية تعود إلى العصر الحجري الأوسط، عُثر عليها عام 2023 في موقع وادي باو. وتشير طبيعة هذه الأدوات وتقنيات صناعتها إلى أنها كانت تُستخدم في الصيد والأنشطة اليومية، ما يدل على أن المنطقة كانت مأهولة بجماعات بشرية.

ومن أبرز الاكتشافات الأثرية في الدقم مدفن جماعي ضخم يعود إلى العصر الحجري الحديث، يضم بقايا أكثر من 50 شخصاً، ويرجع تاريخه إلى ما بين 6600 و7000 سنة. ويُعد هذا المدفن أقدم عمارة جنائزية ضخمة معروفة في جنوب الجزيرة العربية، ما يشير إلى تطور واضح في الممارسات الاجتماعية والطقسية لدى المجتمعات القديمة في المنطقة. كما توضح التحاليل الأثرية أن الموقع استُخدم على مدى نحو 300 عام من قبل مجموعات بشرية متعددة، الأمر الذي يرجح أنه كان مركزاً طقسياً أو مكاناً مشتركاً لإقامة الشعائر الجنائزية.

وفي موقع آخر، كشفت التنقيبات في الملجأ الصخري بوادي صاي عن 32 رأس سهم إلى جانب بقايا مواقد، يعود تاريخها إلى ما بين ألف و7500 سنة. ويُعد هذا الموقع شاهداً مهماً على المرحلة الانتقالية من أواخر العصر الحجري القديم إلى بدايات العصر الحجري الحديث في عُمان، وهي فترة شهدت تغيرات كبيرة في أساليب العيش والتنقل.

كما تضم منطقة الصافية في وادي نفون أكثر من 500 رسم صخري موزعة على 62 صخرة، تتنوع موضوعاتها بين الجمال والصيادين والحيوانات البرية والبحرية. وإلى جانب هذه الرسوم، عُثر أيضاً على نحو 300 نقش مكتوب بالخط العربي الجنوبي، تعود إلى فترات تاريخية مختلفة تمتد من العصر الحديدي وربما إلى فترات أقدم. وتبرز بين هذه الرسوم مشاهد بحرية نادرة، من بينها تصوير لحوت العنبر والسلاحف البحرية، وهو ما يعكس ارتباطاً وثيقاً بين المجتمعات القديمة والبيئة البحرية المحيطة بها.

وتنتشر في الدقم الشواهد الحجرية الثلاثية، وهي نصب حجرية غامضة تعود إلى ما قبل أكثر من 2000 عام، وتمتد عبر المرتفعات الساحلية من شرق اليمن حتى شمال عُمان. ويعتقد الباحثون أن هذه الشواهد تمثل دليلاً على وجود شبكة تواصل ثقافي وتجاري واسعة بين المجتمعات القديمة في جنوب الجزيرة العربية. 

الأكثر قراءة

ليلة القبض على دونالد ترامب