اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

في خضم الحرب الدائرة اليوم، يختلف اللبنانيون حول أسبابها وجدواها. فهناك قلة تؤيد تدخل حزب الله فيها، فيما تعارضه أكثرية، انطلاقاً من قناعة راسخة بأن لبنان، بجبهته الداخلية الهشة وأوضاعه الاقتصادية والاجتماعية الصعبة، لا يملك القدرة على تحمل تبعات حرب جديدة. وهذا موقف مفهوم ومشروع في بلد أنهكته الأزمات.

لكن هذا الخلاف، على أهميته، لا ينبغي أن يحجب حقيقة أساسية: التمييز الواضح بين من هو العدو ومن هو ضحية العدوان.

فالعدو، ببساطة، هو من يعتدي على الأراضي اللبنانية ويقصف قرانا ومدننا ويقتل أبناءنا. وبصريح العبارة، هو العدو الإسرائيلي. وهذه حقيقة لا تتغير بتبدل المواقف السياسية من الحرب أو من الأطراف المشاركة فيها.

ومن بين الأحداث التي هزّت الضمير اللبناني أخيراً، اغتيال كاهن رعية القليعة الشهيد الأب بيار الراعي نتيجة استهداف مباشر من قبل «الجيش الإسرائيلي». فاغتيال كاهن في بلدته رسالة واضحة تحمل أبعاداً تتجاوز شخص الضحية.

فالكاهن في القرى اللبنانية يتخطى كونه مجرد رجل دين يؤدي طقوسه الدينية، ليغدو مرجعية اجتماعية وحتى سياسية لأبناء رعيته. واستهدافه يعني، في أحد وجوهه، محاولة ضرب الرابط الذي يجمع الناس بأرضهم وقراهم. ليصبح الهدف هو اغتيال الراعي لتتشرد الخراف، فيسهل تهجير أهل البلدة من أرضهم.

وهنا تكمن المشكلة الأخطر في طريقة تعاطي بعض وسائل الإعلام، بل وحتى بعض الجهات الدينية، مع هذا الحدث. إذ لجأ البعض إلى استخدام عبارات عامة من نوع «الحرب الدائرة أدت إلى استشهاد الكاهن»، من دون تسمية الجهة التي نفذت الاستهداف.

هذا النوع من اللغة، يؤدي عملياً إلى تجهيل الفاعل وتذويب المسؤولية. وهو أمر معيب ومؤسف، خصوصاً عندما يتعلق باغتيال رجل دين في بلدة لبنانية.

ولا يتوقف الاعتراض هنا عند كون الضحية كاهناً مسيحياً. فالمسألة أعمق من ذلك بكثير. إن استهداف القليعة، كما استهداف عشرات القرى الأخرى، يؤكد أن الاعتداءات الإسرائيلية لا تميز بين طائفة وأخرى. فالجنوب يسكنه لبنانيون من طوائف متعددة: مسلمون ومسيحيون، شيعة وموارنة، سنة وأرثوذكس. وما يجري يطالهم جميعاً.

ومن هنا، فإن ما يحدث يتجاوز كونه استهدافاً لطائفة بعينها، ليصبح ضغطاً عسكرياً يهدف إلى دفع سكان الجنوب نحو النزوح شمال نهر الليطاني، بغض النظر عن انتماءاتهم الدينية، وهو هدف اعلن عنه الجيش الاسرائيلي جهاراً.

لهذا السبب بالذات، يصبح من الضروري التمسك بوضوح الحقيقة وعدم إخفائها خلف تعابير مطاطة. فالموقف من الحرب شيء، وتسميـة المعتدي شيء آخر.

وفي مقاربتنا لما يجري، نرى أن لبنان لم يكن في موقع يسمح له بدخول هذه الحرب، في ظل واقع داخلي منهك وجبهة داخلية بالكاد تحتمل أعباء الأزمات المتراكمة، فضلاً عن محدودية قدرة لبنان على التأثير في الصراع الإقليمي. غير أن هذا التقدير لا يغيّر من حقيقة ما يحصل على الأرض، ولا يبرر استخدام عبارات مطاطة تذيب المسؤولية وتُغيب تسمية الأمور بأسمائها أو التغاضي عن هوية الجهة التي تقصف الأراضي اللبنانية وتقتل المدنيين.

وفي هذا السياق نستحضر قول السيد المسيح:

«ليكن كلامكم نعم نعم، لا لا، وما زاد على ذلك فهو من الشرير».

فوضوح الكلمة موقف ضميري قبل أن يكون موقفاً سياسياً.

اليوم، المطلوب ببساطة هو تسمية الأمور كما هي: لبنان يتعرض لاعتداءات إسرائيلية، وكاهن القليعة اغتيل نتيجة استهداف مباشر من الجيش الإسرائيلي. هذه حقيقة يجب قولها بوضوح احتراماً للحقيقة ولدماء الضحايا.


الأكثر قراءة

لحظة الحسم تقترب... فهل تنجح التسوية؟ «حزب الله» يرفض معادلة «الضاحية مقابل المستوطنات»