في خضمّ العدوان، لا تعود الكلمات مجرّد آراء، بل تتحوّل إلى مواقف تُقاس بمدى اتصالها بالواقع ومسؤوليتها تجاه الناس. من هنا، فإن حديث نائبٍ لبناني عن "إنسانية" جيشٍ يقتل أبناء بلده لا يمكن قراءته كوجهة نظر عابرة، بل كاختلالٍ عميق في ميزان القيم، وانفصالٍ خطير عن حقيقة ما يجري على الأرض.
فالإنسانية ليست توصيفاً يُمنح، بل سلوك يُثبت. هي حماية للمدنيين، لا استهدافهم؛ وصونٌ للحياة، لا إزهاقها. وعليه، فإن وصف جيشٍ معتدٍ بالإنساني، في ظل مشاهد القتل والدمار، هو تناقض صارخ لا ينسجم مع أي معيار أخلاقي أو إنساني.
غير أنّ خطورة هذا الخطاب لا تقف عند حدوده الداخلية. إذ سرعان ما يتحوّل إلى مادة تُستثمر من قبل العدوّ، كما حصل حين أعاد المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي نشر هذا الكلام مرفقاً بعبارة قرآنية: "وشهد شاهدٌ من أهلها". وهنا، يُنزَع النصّ من سياقه القيمي، حيث وُضع أصلاً لإحقاق الحق، ليُستخدم كأداة دعائية تمنح رواية سياسية شرعية مصطنعة عبر "شهادة من الداخل".
في هذا المشهد، تلتقي خطورة القول مع خطورة التوظيف. فالكلام الذي يُخفّف من وقع العدوان، أو يجمّله، لا يبقى حيادياً، بل يُسهم- بقصد أو دون قصد- في تضليل الوعي العام وتزييف الحقيقة.
أما توصيف هذا الموقف بالخيانة، فلا يأتي من باب الانفعال، بل من حجم ما ينطوي عليه من دلالات: خيانة للواقع حين يُحرّف، وللضحايا حين يُنكر ألمهم، وللمسؤولية الوطنية حين تُستبدل بحسابات ضيّقة.
في النهاية، ليست القضية اختلافاً في الرأي، بل سقوطٌ في البوصلة: حين يُوصف القاتل بالإنساني، تصبح الحقيقة نفسها في مرمى الاستباحة.
الأكثر قراءة
عاجل 24/7
-
00:06
ترقبوا نصف نهائي كأس العالم بين فرنسا وأسبانيا الثلاثاء الساعة العاشرة مساء بتوقيت بيروت
-
00:03
تفجير كبير في كونين
-
23:59
"إيه بي سي" عن رسالة ترامب إلى الكونغرس: الضربات على إيران ستكون محدودة ومدروسة ومخططاً لها وسننفذها بأسلوب يهدف إلى الحد من الخسائر في صفوف المدنيين
-
23:58
التلفزيون الإيراني نقلا عن الجيش: استهداف سفينة أميركية "معادية" بصواريخ كروز
-
23:53
الجيش الإيراني: استهدفنا أنظمة اتصالات وخزانات وقود ومنظومة باتريوت وبرج مراقبة ومستودع ذخيرة للجيش الأميركي في الكويت
-
23:43
الحرس الثوري الإيراني: دفاعاتنا الجوية أسقطت مسيرة أميركية من طراز إم كيو 1 في مضيق هرمز
