اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

لا يمكن فصل الأزمة الإنسانية في لبنان عن الكارثة البيئية المتفاقمة، فهما وجهان لعملة واحدة تتجسد في انهيار المعايير الصحية والبيئية تحت ضغط العمليات الحربية. إن انبعاثات الغازات السامة، واختلاط ركام الأبنية بالمواد الكيميائية، واحتراق آلاف الهكتارات من الأراضي الزراعية، خلقت بيئة موبوءة تهاجم الجهاز التنفسي البشري وتسمم الموارد المائية الجوفية. هذا الواقع يفرض علينا قراءة المشهد من منظور "الصحة الواحدة"، حيث يصبح إنقاذ البيئة اللبنانية جزءاً لا يتجزأ من معركة البقاء الطبي.

استنزاف الغطاء الأخضر وسقوط التوازن المناخي المحلي

لطالما كان الغطاء النباتي في جنوب لبنان والبقاع حائط الصد الأول ضد التصحر ومخزناً أساسياً للتنوع البيولوجي، إلا أن الاستخدام المكثف للقذائف الحارقة، لا سيما تلك التي تحتوي على الفسفور الأبيض، أدى إلى اندلاع حرائق "عنيفة" لا تشبه الحرائق الطبيعية في سلوكها. هذه الحرائق لا تكتفي بحرق الأشجار المعمرة، بل تخترق حرارتها العالية طبقات التربة السطحية، مما يؤدي إلى تفحم المواد العضوية وقتل الكائنات الدقيقة الضرورية لدورة النيتروجين. هذا التدمير للبنية الحيوية للتربة يحول الأراضي الزراعية إلى مساحات عقيمة تتطلب استصلاحاً طويلاً ومعقداً، فضلاً عن أن فقدان هذه الغابات يقلل من قدرة المنطقة على امتصاص الكربون، مما يفاقم من ظاهرة الاحتباس الحراري المحلي ويؤدي إلى اضطراب في ميزان الرطوبة والحرارة الإقليمي.

التلوث الكيميائي: التهديد الخفي لمصادر الحياة

يتعدى خطر القصف الأثر الميكانيكي للانفجار ليصل إلى "التسميم الكيميائي" الممنهج للبيئة اللبنانية. الصواريخ والقذائف تترك وراءها ترسانة من المعادن الثقيلة كالرصاص، والكادميوم، واليورانيوم المنضب في بعض الأحيان، وهي مواد غير قابلة للتحلل الحيوي. هذه السموم تتسرب عبر مسام التربة لتصل إلى طبقات المياه الجوفية، وهو ما يشكل خطراً وجودياً على الأمن المائي في بلد يعتمد بشكل أساسي على الينابيع والآبار الارتوازية. إن اختلاط هذه الركام الكيميائي بمياه الري يعني انتقال السموم مباشرة إلى السلسلة الغذائية للإنسان، حيث تمتص المحاصيل الزراعية هذه المعادن، مما يجعل الغذاء الناتج من هذه المناطق يحمل مخاطر صحية تراكمية تهدد الصحة العامة على المدى الطويل.

الكارثة الجوية وانعكاساتها على الصحة

على الصعيد الصحي، يتجاوز الخطر حدود الموقع الجغرافي للقصف ليتحول إلى "تهديد جوي عابر للمناطق"؛ حيث يواجه السكان استنشاقاً قسرياً لخليط معقد من الغبار المتأين ونواتج الاحتراق غير الكامل للمتفجرات والوقود العسكري عالي الكثافة. إن انهيار الكتلة العمرانية لا يحرر الغبار فحسب، بل يطلق جزيئات دقيقة متناهية الصغر قادرة على اختراق الحويصلات الهوائية والوصول مباشرة إلى الدورة الدموية.

وتبرز مادة "الأسبستوس" الكامنة في أحشاء الأبنية القديمة كأحد أخطر الإفرازات البيئية للدمار؛ فهذه الألياف المجهرية، بمجرد تحررها في الهواء، تتحول إلى مسببات سرطانية غير قابلة للتحلل داخل الرئة، مؤديةً إلى تليف رئوي وأورام خبيثة قد تظهر أعراضها السريرية بعد سنوات. ولا يتوقف الأمر عند الجهاز التنفسي، بل يمتد ليشمل "الإجهاد التأكسدي" الناتج عن امتصاص الجسم للمعادن الثقيلة كالكروم والنيكل والكادميوم، والتي تؤدي إلى خلل في الوظائف الإنزيمية وتلف في الحامض النووي، مما يفسر الارتفاع الحاد في حالات الفشل الكلوي المزمن والاضطرابات الهرمونية الناتجة عن تعطيل عمل الغدد الصماء.

علاوة على ذلك، تلعب الرياح دور الناقل للسموم "الثانوية"، حيث تتفاعل غازات أكاسيد النيتروجين والكبريت المنبعثة من الانفجارات مع الرطوبة الجوية لتشكل "الأمطار الحامضية" التي تلوث المسطحات المائية السطحية وتزيد من تهيج الأغشية المخاطية للعين والجلد حتى في المناطق البعيدة عن خطوط المواجهة. إننا أمام واقع صحي "متعدد المستويات"، تبدأ آثاره من الحساسية الحادة وتنتهي بالسمية التراكمية التي تستنزف الجسد البشري، مما يضع القطاع الصحي اللبناني المنهك أمام معضلة وبائية بيئية طويلة الأمد، لا تداويها الإسعافات الأولية بل تتطلب خطط تطهير بيولوجي شاملة.

الركام الحربي كمعضلة بيئية مستدامة

تطرح تلال الركام الناتجة عن الدمار تحدياً بيئياً من نوع آخر؛ فهي ليست مجرد حجارة محطمة، بل مزيج من المواد المنزلية الكيميائية، والبطاريات، والبلاستيك المحترق، والأجهزة الإلكترونية التي تحتوي على زئبق وغازات ضارة. إن ترك هذه الأنقاض دون معالجة متخصصة يؤدي إلى تفاعل هذه المواد مع العوامل الجوية، مما ينتج عنه سوائل سامة تتسرب إلى التربة. كما أن الغبار المتصاعد من عمليات إزالة الركام بطرق غير علمية يسهم في استمرار أزمة التلوث الهوائي لسنوات بعد انتهاء العمليات العسكرية. لذا، فإن الإدارة البيئية للأنقاض يجب أن تُعامل كأولوية وطنية لمنع تحول المدن والقرى إلى بؤر تلوث دائمة غير قابلة للسكن الآمن.

الصدمة الصوتية واختلال التوازن الإيكولوجي

"بينما نركز على التلوث الكيميائي، غالباً ما نتجاهل "التلوث الصوتي والاهتزازي" العنيف الناتج عن القصف الممنهج. تؤدي هذه الصدمات الترددية إلى تمزيق النظم البيئية الدقيقة تحت سطح التربة، مما يقتل الكائنات الحية الدقيقة المسؤولة عن تهوية التربة وخصوبتها. كما أن هذه الضوضاء القسرية تؤدي إلى هجرة جماعية للطيور والحيوانات البرية، وهو ما يسبب خللاً في المكافحة البيولوجية الطبيعية للآفات الزراعية، مما سيضطر المزارعين مستقبلاً لاستخدام مبيدات كيميائية أكثر سمية لتعويض هذا الفقد، مما يدخل البيئة في حلقة مفرغة من التدهور.

في الختام، يجب أن ندرك أن التلوث الناتج عن الحرب ليس مجرد غبار عابر، بل هو تهديد جيني وصحي قد يمتد لعقود. إن جزيئات المعادن الثقيلة والأسبستوس الكامنة في الركام والهواء تشكل قنابل موقوتة تهدد الصحة العامة. لذا، فإن التعامل العلمي الصارم مع المخلفات الحربية لم يعد ترفاً بيئياً، بل هو ضرورة قصوى لمنع تحول المناطق المنكوبة إلى بؤر دائمة للأمراض المزمنة.

فالحرب الحقيقية قد تنتهي بصمت المدافع، لكن الحرب ضد التلوث الكيميائي هي معركة البقاء التي يجب أن ننتصر فيها لضمان مستقبل صالح للحياة!


الأكثر قراءة

تقدم المفاوضات الأميركية ــ الايرانية يؤجل القتال عون: استعادة الثقة تبدأ من الداخل لا خوف على لبنان رغم الأزمات