ترأس متروبوليت بيروت وتوابعها للروم الأرثوذكس المطران الياس عودة خدمة القداس في كاتدرائية القديس جاورجيوس.
وبعد قراءة الإنجيل ألقى عظة قال فيها: "المسيح قام من بين الأموات ووطئ الموت بالموت، ووهب الحياة للذين في القبور، في هذا الأحد الرابع بعد الفصح ما زلنا نحتفل بهبة الحياة التي منحها الله للإنسان بموت المسيح وقيامته، والتي وعد السامرية التي نعيد لها اليوم بإعطائها لها ولكل من يقبل إليه طالباً معونته، والماء الحي الذي يعطيه، لكي لا يعطش إلى الأبد، يروي لنا إنجيل اليوم لقاء الرب يسوع مع المرأة السامرية عند بئر يعقوب، ويدعونا إلى التأمل في الحدث التاريخي، والدخول في سر عطش الإنسان العميق، واكتشاف الماء الحي الذي وحده يروي القلب إلى الأبد، يكشف لنا هذا النص الإنجيلي أن كل إنسان، مهما بدا مكتفيا بذاته، منشغلا بتفاصيل حياته، لاهثا وراء مجد باطل، يحمل في داخله عطشا لا يروى، عطشا إلى الله الأزلي، وإلى الحق الذي لا يزول، والمحبة التي لا تسقط أبدا كما يقول الرسول بولس".
أضاف: "المرأة السامرية أتت إلى البئر عند الساعة السادسة، أي ساعة الظهيرة، في وقت يتجنبه الناس، وكأنها تهرب من ثقل ماضيها ومن دينونة الآخرين. لكن الرب يسوع، الذي يطلب الخروف الضال ليخلصه، بادرها بكلمة بسيطة، طالبا ماء ليشرب. الله نفسه يطلب من إنسان، ليس لأنه محتاج، بل لأنه يريد أن يفتح قلب هذا الإنسان للعطاء الحقيقي. فالطلب الإلهي هو بداية العطية، ومدخل العلاقة، وكما يقول الآباء، إن المسيح عطش إلى إيمان المرأة قبل أن يعطش إلى الماء. يتدرج الحوار بين الرب والمرأة من المستوى الحسي إلى العمق الروحي. هي تفكر في ماء أرضي، وفي تعب السحب من البئر، وفي احتياجات الحياة اليومية. أما هو فيقودها إلى ما هو أعمق: «لو عرفت عطية الله ومن الذي قال لك أعطيني لأشرب لطلبت أنت منه فأعطاك ماء حيا». هذا الماء الحي ليس مادة، بل نعمة الروح القدس التي تروي أعماق الإنسان وتحوله إلى ينبوع ماء. إنه الماء الذي يحرر الإنسان من الدوران في حلقة العطش المستمر، ومن السعي الدائم وراء إشباعات مؤقتة لا تملأ القلب ولا تحيي النفس. في هذا اللقاء، يكشف الرب جرح المرأة الحقيقي، لا ليدينها بل ليشفيها. يضع إصبعه على واقعها وتاريخها وعلاقاتها المتكسرة، فيفتح أمامها طريق التوبة".
وتابع: "في نص أعمال الرسل، هذا الماء الحي لم يبق محصورا في جماعة واحدة، بل فاض إلى الأمم. فالرسل الذين تشتتوا بسبب «الضيق» راحوا يبشرون بالكلمة، حتى وصلوا إلى أنطاكية، «وهم لا يكلمون أحدا بالكلمة إلا اليهود فقط». هناك، يخبرنا النص، «لما دخلوا أنطاكية أخذوا يكلمون اليونانيين مبشرين بالرب يسوع، وكانت يد الرب معهم، فآمن عدد كثير ورجعوا إلى الرب.. وقد دعي التلاميذ مسيحيين في أنطاكية أولا». إن ما حدث مع السامرية يتكرر هنا على مستوى الجماعة حيث يتحول اللقاء مع المسيح إلى رسالة وشهادة وعطية تعاش وتشارك.
في أنطاكية، نرى أيضا بعدا آخر للماء الحي هو بعد الشركة والمحبة العملية، فعندما تنبأ أغابوس عن مجاعة، قرر التلاميذ أن يرسلوا معونة للإخوة. الإيمان ليس فكرة روحية منفصلة عن الواقع، بل هو محبة متجسدة، بذل وعطاء، الماء الحي الذي يروينا يدفعنا إلى أن نروي عطش الآخرين بالكلمة، إنما أيضا بالفعل، بالمحبة والعطاء والوقوف إلى جانب المتألمين."
وقال: "تعلن الكنيسة في تقليدها أن هذا الماء الحي يعطى لنا في الأسرار، لا سيما المعمودية والإفخارستيا. ففي المعمودية نولد من الماء والروح، ونصير خليقة جديدة. وفي الإفخارستيا نشرب من ينبوع الحياة، من جسد الرب ودمه، فنثبت فيه وهو فينا. لكن هذه العطية تتطلب رغبة صادقة وتجاوبا مستمرا: صلاة وتوبة وجهادا روحيا وانفتاحا على عمل النعمة في حياتنا. الرب يقف اليوم عند بئر حياتنا، في ظروفنا اليومية وتعبنا وقلقنا وأسئلتنا، قائلا لكل منا: «أعطني لأشرب». إنه يطلب قلبنا ووقتنا وانتباهنا، لكي يعطينا ما هو أعظم بكثير. فهل نفتح له القلب ونسمح له بالدخول إلى عمق حياتنا؟ هل نقبل أن يكشف جراحنا ليشفيها؟ هل نجرؤ على ترك جرارنا، أي تعلقاتنا القديمة وسلوكنا الملتوي كما فعلت المرأة السامرية، والإنطلاق في طريق جديد نسلك فيه بحسب النعمة ونبشر بالرب القائم؟"
وختم: "فلنسأل الرب أن يهبنا هذا العطش المقدس، عطش البحث عنه، العطش إلى الكلمة، إلى التوبة والصلاة، لنختبر نحن أيضا الماء الحي. وعندما نرتوي، لن نحتفظ بالعطية لأنفسنا، بل نصير شهودا، كل في مكانه وعائلته وعمله ومجتمعه، حاملين إلى العالم بشارة الحياة. هكذا تتحول حياتنا من سعي وراء آبار أرضية، إلى مسيرة نحو الينبوع الحقيقي، حيث نجد الراحة التي لا تزول، والفرح الذي لا ينزع، والشركة مع الله".
الكلمات الدالة
الأكثر قراءة
عاجل 24/7
-
13:51
الدفاع الإماراتية: دفاعاتنا الجوية تعاملت مع مسيرتين قادمتين من إيران
-
13:50
مصدر أمني عراقي للجزيرة: لم يؤشر لدينا وجود قوة إسرائيلية بصحراء غرب البلاد خلال الحرب والمرجح أنها أمريكية
-
13:50
مصدر أمني عراقي للجزيرة: تم رصد أجهزة تشويش وإنذار بوادي شنان غربي #العراق ولا توجد حاليا قوة عسكرية على الأرض
-
13:50
مصدر أمني عراقي للجزيرة: المنطقة التي تتحدث عنها وسائل الإعلام صحراوية ومنعزلة تماما عن أي وجود أمني وسكاني
-
12:42
وكالة مهر: دوي انفجار قوي في مدينة جابهار في محافظة سيستان وبلوشستان جنوب شرقي إيران
-
12:41
المقاومة الإسلامية: استهدفنا مقراً قيادياً تابعاً لـ "جيش" العدو في مدينة الخيام بمحلقتين انقضاضيتين وحققنا إصابة مؤكدة
