اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

حملت قمة الرئيس الأميركي دونالد ترامب ونظيره الصيني شي جين بينغ في بكين رسائل سياسية واقتصادية واسعة، دفعت بعض المراقبين إلى اعتبارها نقطة تحول في مسار العلاقات بين القوتين الأكبر في العالم، رغم استمرار الخلافات العميقة بشأن التكنولوجيا والطاقة والتنافس الجيوسياسي.

ووصف الأكاديمي المتخصص في الشؤون الصينية فيكتور غاو القمة بأنها "9.99 من 10"، معتبرًا أنها أعادت العلاقات الأميركية الصينية إلى "المسار الصحيح" بعد سنوات من التوتر والتصعيد التجاري والاستراتيجي.

وقال غاو، الذي عمل سابقًا مترجمًا للرئيس الصيني الأسبق دينغ شياو بينغ ويشغل حاليًا منصب أستاذ كرسي في جامعة سوتشو، لشبكة "سي إن إن" إن القمة كانت "ناجحة للغاية ومنظمة بدرجة كبيرة، لكنها احتفظت أيضًا بالكثير من العفوية والإثارة".

وأضاف أن الصين "بذلت قصارى جهدها"، بينما تصرف المسؤولون الأميركيون وقادة الأعمال "بالطريقة الصحيحة"، معتبرًا أن ما جرى في بكين يمثل "لحظة تاريخية بكل معنى الكلمة".

أشار غاو إلى أن استئناف ترامب للزيارات الرئاسية إلى الصين يمثل "خطوة مهمة في الاتجاه الصحيح"، موضحًا أن جميع الرؤساء الأميركيين منذ رونالد ريغان زاروا الصين مرة واحدة على الأقل خلال ولاياتهم، باستثناء جو بايدن الذي لم يقم بأي زيارة بين عامي 2021 و2025.

كما لفت إلى الدلالات الرمزية لاختيار "معبد السماء" في بكين ضمن برنامج الزيارة، وهو الموقع الذي كان الأباطرة الصينيون يتوجهون إليه تاريخيًا للصلاة من أجل السلام والاستقرار ووفرة المحاصيل.

وقال غاو إنه يأمل أن يكون للقاء "أهمية لسنوات طويلة قادمة"، في إشارة إلى إمكانية فتح صفحة جديدة في العلاقات الثنائية.

في موازاة البعد السياسي، أفرزت الحرب في إيران متغيرات اقتصادية دفعت واشنطن لمحاولة تعزيز صادراتها من الطاقة إلى الصين، في ظل اضطرابات الإمدادات العالمية الناتجة عن إغلاق مضيق هرمز.

وأدى الصراع في الشرق الأوسط إلى تقليص إمدادات الوقود الأحفوري عالميًا، ما رفع الطلب على النفط والغاز الطبيعي الأميركيين، خصوصًا مع سعي الصين إلى تقليل اعتمادها على الطاقة القادمة من المنطقة.

وقال ترامب إن بكين أبدت اهتمامًا بشراء المزيد من النفط الخام الأميركي، في خطوة ترتبط بمخاوف صينية من استمرار الاضطرابات الإقليمية لفترة طويلة.

ورغم أن الصين تمتلك مخزونات كبيرة من النفط الخام، وعززت وارداتها من روسيا وإيران خلال السنوات الماضية، فإن الحرب الأخيرة أثرت على نحو ثلث وارداتها من الغاز الطبيعي المسال.

وكانت الصين قد أوقفت فعليًا استيراد الغاز الطبيعي المسال الأميركي خلال عام 2025 عقب فرض إدارة ترامب تعريفات جمركية جديدة على السلع الصينية، غير أن تقارير أشارت هذا الأسبوع إلى مغادرة ثلاث ناقلات غاز طبيعي مسال من الولايات المتحدة باتجاه الصين، مع توقع وصولها بحلول نهاية حزيران.

وتظهر بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية أن صادرات الولايات المتحدة من الغاز الطبيعي المسال سجلت مستوى قياسيًا تجاوز 567 مليار قدم مكعب في كانون الأول الماضي، فيما اقتربت صادرات النفط الخام من مستويات قياسية مماثلة لتلك المسجلة في عام 2024.

وشهدت القمة أيضًا حضورًا لافتًا لكبار التنفيذيين الأميركيين من قطاعات التكنولوجيا والطيران والذكاء الاصطناعي، في مؤشر على أن العلاقات الأمريكية الصينية لم تعد تقتصر على الرسوم الجمركية والتجارة التقليدية.

وقالت الصحفية السابقة في الشبكة ومقدمة بودكاست "Behind the Business" ميشيل توه إن نحو 20 رئيسًا تنفيذيًا انضموا إلى ترامب في "استعراض قوة" هدفه التأكيد أن العلاقة بين البلدين تبقى في جوهرها علاقة اقتصادية وتجارية.

وأضافت أن هؤلاء التنفيذيين يسعون إلى "فتح أجزاء من السوق الصينية التي أُغلقت أمامهم في السنوات الأخيرة"، رغم غياب أي "اختراق شامل كبير" خلال القمة.

وأشارت إلى أن بعض التقدم تحقق بالفعل، مستشهدة بإعلان ترامب أن الصين وافقت على شراء 200 طائرة من شركة بوينغ الأمريكية.

كما سلطت الضوء على مشاركة الرئيس التنفيذي لشركة إنفيديا جينسن هوانغ، الذي وصفته بأنه "الرمز الحي لسباق الذكاء الاصطناعي"، رغم استمرار القيود الأميركية والصينية المفروضة على صادرات واستيراد الرقائق المتقدمة.

ورغم إعلان ترامب إزالة بعض قيود التصدير المتعلقة برقائق H200 إلى الصين، فإن العقبات التنظيمية والتجارية من الجانب الصيني لا تزال قائمة.

وبحسب ميشيل توه، فإن أهمية القمة لا تكمن فقط في الصفقات أو التفاهمات التجارية، بل في طبيعة الملفات التي ناقشها الطرفان، والتي تشمل الذكاء الاصطناعي والطيران والتكنولوجيا المتقدمة.

وأضافت أن الاستثمارات الصينية في الولايات المتحدة تراجعت بشكل حاد، بما في ذلك تباطؤ الاستثمار المباشر والاكتتابات العامة الأولية في وول ستريت، مؤكدة أن "الكثير من العمل لا يزال مطلوبًا".

واعتبرت أن ما يميز قمة بكين هو أنها تجاوزت النقاش التقليدي حول الرسوم الجمركية، لتفتح ملفات أوسع تتعلق بـ"مستقبل الأعمال التجارية العالمية بأكمله".

ورغم أجواء الانفتاح النسبي التي رافقت القمة، فإن التنافس بين واشنطن وبكين لا يزال قائمًا في ملفات التكنولوجيا والطاقة وسلاسل التوريد، ما يجعل التقارب الحالي أقرب إلى هدنة استراتيجية مؤقتة أكثر من كونه تحولًا جذريًا في طبيعة العلاقة بين البلدين.


الأكثر قراءة

مراوحة في واشنطن... والرياض نحو «المسار الثالث»؟ توقعات باعلان نوايا... ورفض اسرائيلي لوقف النار!