اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

أظهرت قمة بكين بين الرئيسين الأميركي دونالد ترامب والصيني شي جين بينغ، أن الاتفاق على إبقاء مضيق هرمز مفتوحًا ومنع امتلاك إيران سلاحًا نوويًا لا يكفي وحده لصناعة مسار سياسي قادر على احتواء الحرب، أو تحويل النفوذ الصيني إلى أداة ضغط مباشرة على طهران.

خرج ترامب من اللقاء بإشارات إيجابية حول تفاهمه مع شي، لكن هذه الإشارات بقيت أقرب إلى إطار عام لإدارة المخاطر منها إلى تعهد صيني واضح بترجمة العلاقة الاقتصادية مع إيران إلى ضغط قابل للقياس، وهو ما جعل القمة، في قراءتها الأميركية، أقل من سقف التوقعات التي سبقتها.

ورأت "فورين بوليسي" أنها لم تمنح ترامب اختراقًا كبيرًا في الملفات الحساسة، بينما ذهبت "رويترز" إلى أن تصريحات الرئيس الأميركي لم تكشف ما إذا كانت بكين ستستخدم نفوذها فعلًا لدفع طهران نحو تغيير ملموس في سلوكها.

وتعاملت واشنطن مع قمة بكين باعتبارها فرصة لاختبار مقدار ما يمكن أن تضيفه الصين إلى إدارة أزمة مضيق هرمز، خصوصًا أن علاقة بكين الاقتصادية مع طهران تمنحها هامشًا لا تملكه عواصم كثيرة.

وبدا أن الإدارة الأميركية أرادت أثرًا عمليًا يخفف الضغط على الملاحة ويفتح طريقًا أهدأ للتفاوض، فيما بقيت الحركة الصينية محكومة بحسابات تتصل بكلفة الظهور كطرف يضغط على إيران في هذا التوقيت، وبالحفاظ على قدرة تمرير الرسائل لاحقًا إذا احتاجت الأزمة إلى قناة أقل صخبًا.

وقال دبلوماسي صيني سابق عمل في بعثة بلاده لدى الأمم المتحدة في نيويورك، لأحد المواقع الاخبارية، إن بكين تنظر إلى دورها في ملف حرب إيران من زاوية خفض المخاطر وفتح قنوات قابلة للعمل، وليس من زاوية الدخول في ترتيبات قد تحدّ من قدرتها على التواصل مع جميع الأطراف. 

وأوضح أن الصين تستطيع المساعدة على تهدئة المسار البحري وتشجيع العودة إلى التفاوض، لكنها تفضّل أن يجري ذلك ضمن تفاهم أوسع يراعي أمن الملاحة، واستقرار إمدادات الطاقة، وحدود التصعيد العسكري، من دون أن تتحول أي خطوة صينية إلى التزام منفرد بنتائج لا تملك بكين وحدها ضمانها.

ورفعت تصريحات ترامب بعد القمة مستوى التوقعات بشأن ما يمكن أن تفعله بكين في ملف إيران، إذ تحدث عن نقاش مع شي حول إمكان رفع عقوبات عن شركات صينية تشتري النفط الإيراني، وربط ذلك بتفاهم على منع امتلاك إيران سلاحًا نوويًا وإبقاء مضيق هرمز مفتوحًا.

غير أن ما نشرته "رويترز" أظهر أن هذه التصريحات لم تترافق مع إيضاح صيني مماثل حول آليات الضغط على طهران أو حجم الاستعداد لاستخدام العلاقة النفطية معها في مسار تفاوضي سريع، ما أبقى نتائج القمة ضمن مساحة سياسية مرنة، قابلة للبناء عليها، لكنها لا ترقى إلى اتفاق تفصيلي يمكن قياسه فورًا في حركة الملاحة أو في موقف إيران.

وفي الإعلام الصيني الرسمي، ظهرت القمة من زاوية أوسع تتصل بإدارة العلاقة مع واشنطن وتخفيف الضغوط على الاقتصاد العالمي، فقد تحدثت "سي جي تي إن" عن تموضع جديد للعلاقات الصينية–الأميركية يرسل إشارة استقرار.

وركّزت "غلوبال تايمز" على الاهتمام الدولي بالتجارة وسلاسل الإمداد والأسواق، وهو ما يعكس رغبة بكين في إبقاء ملف إيران داخل إطار إدارة المخاطر، دون تحويله إلى اختبار وحيد لنجاح القمة. لتحافظ الصين على مساحة حركة تسمح لها بالتواصل مع واشنطن وطهران في وقت واحد، من دون إعلان التزام صيني مباشر بنتيجة لا تتوقف عليها وحدها.

والمصدر الدبلوماسي يوضح أن بكين "تفرق بين التهدئة والاصطفاف"، فالصين، وفق المصدر، قد تنقل رسائل إلى إيران، وقد تدفع باتجاه تسهيل حركة السفن، وقد تشجع العودة إلى طاولة تفاوض غير مباشرة، لكنها لا تريد إصدار إنذار سياسي لطهران، لأن ذلك سيقوض القيمة الأساسية التي تملكها الصين، وهي قدرتها على مخاطبة إيران من خارج المعسكر الأمريكي.

وبحسب المصدر، تفضّل الصين صيغة تدريجية تمنع اضطراب حركة الطاقة وتبقي تعريف الحل مفتوحًا أمام أكثر من مسار دبلوماسي.

ويقول إن التصور الأقرب إلى التفكير الصيني يبدأ بخفض الاحتكاك البحري، وضمان مرور الشحنات الأساسية، وفتح قناة تفاوض غير مباشرة، قبل الانتقال إلى بحث الملف النووي ضمن إطار أوسع.

أما توقّع ضغط صيني فوري يدفع طهران إلى تنازلات سياسية كبيرة، فيراه المصدر تقديرًا غير واقعي في الحساب الصيني، لأن بكين تنظر إلى المسألة من زاوية موقعها ومصالحها الاستراتيجية وليس من زاوية العلاقة مع إيران وحدها.


الكلمات الدالة