اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

في كتابه The Criminal State، يشرح الباحث لورنس دوغلاس كيف يمكن للدولة أن تتحول من جهة يفترض أن تحمي القانون، إلى أداة تُنتج العنف وتمنحه شرعية سياسية وقانونية. فالجريمة في هذه الحالة، لا تعود فعلاً فردياً أو حادثاً عابراً، بل تصبح جزءاً من بنية متكاملة تُدار باسم الأمن والمصلحة العليا. ومن هذا المنظار، يمكن فهم السلوك الإسرائيلي تجاه لبنان، حيث يتكرر العنف بصورة تكشف أنه نهج ثابت لا مجرد ردود فعل ظرفية.

فالاعتداءات الإسرائيلية لا تقتصر على عمليات عسكرية محدودة، بل تشمل استهداف القرى والمنازل والبنى التحتية، في مشهد يتكرر على نحو يكاد يصبح اعتيادياً. وهذا التكرار هو ما يكشف طبيعة المشكلة، إذ إن الجريمة لا تُقاس بالفعل المنفرد فقط، بل بالنظام الذي يسمح باستمرارها وتبريرها. هنا يتحول القصف إلى سياسة، ويصبح التدمير جزءاً من إدارة الصراع لا استثناء فيه.

الأخطر من ذلك، أن هذه الأفعال تُقدَّم دائماً تحت عنوان "الدفاع عن النفس"، فتُستخدم اللغة القانونية لتبرير القوة بدل تقييدها. وهكذا تُفرَّغ مفاهيم القانون الدولي من مضمونها الحقيقي، بينما يبقى المدنيون والقرى عرضة للاستهداف المستمر. ومع غياب المحاسبة الجدية، تتكرس فكرة الإفلات من العقاب، وكأن بعض الدول فوق القانون مهما ارتكبت من انتهاكات.

إن الصمت الدولي تجاه هذه الممارسات لا يمكن اعتباره حياداً، لأن غياب المحاسبة يساهم عملياً في استمرار العنف. فحين تصبح الجرائم خبراً يومياً مألوفاً، يفقد العالم حساسيته تجاهها، ويتحول العنف إلى مشهد اعتيادي. وهذه أخطر نتائج "تطبيع الجريمة"، حيث تتلاشى الحدود بين ما هو مشروع، وما هو مدان أخلاقياً وقانونياً.

في النهاية، لا يتعلق الأمر فقط بما تفعله "إسرائيل"، بل أيضاً بالنظام الدولي الذي يسمح باستمرار ذلك من دون ردع حقيقي. فالقانون الذي لا يُطبَّق بعدالة يفقد قيمته، وتتحول العدالة إلى مجرد شعار لا يغيّر شيئاً في واقع الدم والدمار.

الأكثر قراءة

واشنطن لا تضبط وقف النار... والميدان يهدد المفاوضات «إعلان النوايا» على الطاولة... والجيش على ثوابته