اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

كانت مكالمة هاتفية نموذجية من زوج انتهى يومه وسيتوقف عند السوق قبل العودة إلى المنزل. لكنه كان عائداً من الحرب، لا من العمل. لم يعد فهمي الفاتح إلى منزله قط. بدأت زوجته، أزهار عبد الله، بالاتصال بالأصدقاء والعائلة، ثم توجهت إلى زملائه في الجيش السوداني. شوهد زوجها آخر مرة وهو يغادر قاعدة عسكرية في العاصمة الخرطوم على دراجة نارية. كان ذلك قبل أكثر من عام.

قالت وهي تنتحب وتخفي وجهها بين يديها "كان أغلى ما أملك في حياتي. سأشعر براحة أكبر لو عرفت شيئاً عنه. هذا أفضل من عدم معرفة ما حدث له، سواء كان حياً أم ميتاً". زوجها واحد من بين أكثر من 8000 شخص فُقدوا خلال سنوات الحرب الثلاث في السودان، وفقاً للجنة الدولية للصليب الأحمر.

مزّق الصراع شمل العائلات، حيث انفصل الناس أثناء فرارهم، أو فُقدوا خلال القتال. ويُحتجز آخرون سراً، تاركين الأصدقاء والأقارب في حالة من القلق الشديد وهم يحاولون معرفة مصيرهم. يُعتقد أن العديد من المفقودين في ولاية الخرطوم مدفونون في مقابر مجهولة الهوية، حيث تم العثور على عشرات الآلاف من الجثث منذ أن استعاد الجيش السوداني العاصمة العام الماضي.

وكان دفن الجثث في المقابر أمراً بالغ الخطورة في كثير من الأحيان أثناء احتدام القتال. لذا حفر الناس القبور أينما استطاعوا. وأثناء تجولهم في المدينة الشهر الماضي، أفاد مراسلو "أسوشييتد برس" أن ملاعب كرة قدم ومقابر تعج بالجثث. وُضعت لافتات مؤقتة تحمل أسماء وتواريخ على أكوام من التراب بجانب محطة وقود مهجورة، لكن العديد منها كان بلا علامات.

وقالت اللجنة الدولية للصليب الأحمر إنها حلت أكثر من 1000 حالة من حالات المفقودين، لكنها لم تذكر عدد الأحياء منهم أو الأموات. ويُعدّ العثور على جثث الأحياء أو الأموات أمراً بالغ الصعوبة في السودان، ولا سيما مع استمرار الحرب. فقد دُمّرت المختبرات التي كان من الممكن استخدامها لإجراء فحوصات الحمض النووي، ولم يتبقَّ سوى عدد قليل من خبراء الطب الشرعي.

وفي ولاية الخرطوم، نقلت السلطات ما يقرب من 30 ألف جثة، من أصل نحو 50 ألف جثة، كانت قد دُفنت على عجل قرب المنازل أو في الملاعب الرياضية أو على جانب الطريق عندما كانت قوات "الدعم السريع" تسيطر على المنطقة. ولا يزال العمل مستمراً. كما أن نحو 10% من الجثث التي أعيد دفنها مجهولة الهوية.

أما بالنسبة للعائلات التي عثرت على أحبائها ولكنها لا تستطيع دفنهم بشكل لائق، فهناك نوع مختلف من الألم. انتظر أبو بكر السواي أكثر من عام لنقل جثمان شقيقه محمد، البالغ من العمر 73 عاماً، من المكان الذي دُفن فيه أمام منزله إلى مقبرة عامة. وقتلت قوات "الدعم السريع" محمد، لكنها انتظرت ثلاثة أسابيع قبل أن تسمح لأحد الجيران بدفن جثته المتحللة بعد إصابتها بالرصاص.

الأكثر قراءة

مصدر رسمي لبناني: ما يجري في واشنطن «هدنة بلاس» و«لواء الجنوب» خرافات