اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

في الساعات التي سبقت الحديث عن اتفاق محتمل بين واشنطن وطهران، سادت داخل البيت الأبيض أجواء توحي بأن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب باتت على وشك تحقيق اختراق سياسي ودبلوماسي كبير في الملف الإيراني.

فبحسب ما تسرّب من أوساط الإدارة الأميركية، اعتبر ترامب أن الاتصالات التي أجراها مع قادة دول حليفة في الشرق الأوسط كانت "إيجابية"، كما وصف محادثاته مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بـ"المثمرة"، ما عزّز الانطباع داخل واشنطن بأن مسار التفاوض يتقدم نحو اتفاق قد يُعلن قريباً.

وبينما ارتفعت التوقعات داخل الإدارة بإمكان التوصل إلى تفاهم خلال أيام، بدأت مؤشرات معاكسة بالظهور داخل الحزب الجمهوري نفسه، مع تصاعد اعتراضات شخصيات محافظة بارزة على أي اتفاق قد يمنح إيران هامشاً سياسياً أو اقتصادياً جديداً.

وفي التفاصيل، قال السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام، أحد أبرز حلفاء ترامب وأكثر المدافعين عن الحرب ضد إيران، إن "أي اتفاق يُبقي إيران في موقع قوة سيكون كابوسًا لإسرائيل".

ولم يكن غراهام يومًا من معارضي ترامب في الملف الإيراني، بل كان من أبرز الداعمين لخيار إسقاط النظام الإيراني، وخاض معارك سياسية داخل الكونغرس لتأمين الغطاء للحرب، كما لعب دورًا رئيسيًا في تعطيل محاولات تقييد صلاحيات الرئيس العسكرية تجاه إيران.

لكن الرجل عاد هذه المرة ليحذر من أن استمرار قدرة إيران على تهديد مضيق هرمز أو استهداف البنية النفطية بالمنطقة "سيغيّر ميزان القوة في المنطقة".

ولم يكن غراهام وحده. فالسيناتور توم كوتون، رئيس لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ، تبنى موقفًا مشابهًا، فيما اعتبر رئيس لجنة القوات المسلحة السيناتور روجر ويكر أن "الاعتقاد بأن إيران ستتعامل بحسن نية خلال هدنة الستين يومًا سيكون كارثيًا"، مضيفًا أن نتائج العملية العسكرية الأميركية الإسرائيلية ضد إيران "قد تضيع بالكامل".

وأمام هذا التمرد الداخلي، اضطر ترامب إلى تعديل نبرته سريعًا.

فبعد ساعات فقط من أجواء التفاؤل التي هيمنت على البيت الأبيض، عاد الرئيس الأميركي ليؤكد أنه "لن يوقع اتفاقًا سيئًا مع إيران"، وأن أي اتفاق محتمل "سيكون أفضل من اتفاق أوباما".

ولم يكتفِ بذلك، بل كشف أنه طلب من فريقه المفاوض "عدم التسرع" في الوصول إلى اتفاق، في تراجع واضح عن الأجواء التي كانت توحي بقرب الحسم.

هذا التحول عكس حجم الضغوط داخل الحزب الجمهوري، حيث يخشى كثير من المحافظين أن يتحول الاتفاق الجديد إلى نسخة معدلة من اتفاق 2015 الذي انسحب منه ترامب نفسه قبل سنوات، واعتبره "أسوأ اتفاق في تاريخ الولايات المتحدة".

ومع تصاعد الجدل داخل واشنطن، عاد الحديث مجددًا عن التباينات الأميركية الإسرائيلية بشأن كيفية إنهاء الحرب الحالية في المنطقة.

فمنذ اندلاع المواجهة الأخيرة، طُرح داخل الكونغرس سؤال أساسي: هل كانت الحرب ضرورة أمنية أميركية فعلية، أم أن "إسرائيل" دفعت واشنطن إليها؟

ورغم دفاع البيت الأبيض عن استقلالية قراره العسكري والسياسي، فإن أوساطًا سياسية أميركية عادت للتشكيك في حجم التوافق الحقيقي بين واشنطن وتل أبيب، خاصة مع وجود تيار داخل الإدارة الأميركية يدفع نحو إنهاء سريع للحرب، وتجنب الغرق مجددًا في الشرق الأوسط.

في المقابل، تبدو "إسرائيل" أكثر تشددًا تجاه أي اتفاق يمنح إيران متنفسًا اقتصاديًا أو يبقي على جزء من قدراتها النووية والعسكرية.

 "الماغا" تنقلب على ترامب

الأزمة لم تعد محصورة داخل الكونغرس، بل امتدت إلى قلب التيار الشعبوي المحافظ الذي أعاد ترامب إلى البيت الأبيض.

القيادية الجمهورية السابقة مارغوري تايلور غرين، التي كانت من أبرز المدافعين عن ترامب، هاجمت خياراته التفاوضية، معتبرة أن الحرب "ليست حرب أميركا"، وأن الرئيس "يتخلى عن القاعدة السياسية التي أوصلته إلى السلطة".

ويشاركها هذا الموقف الإعلامي المحافظ تاكر كارلسون، الذي يقود منذ أسابيع حملة ضد الانخراط الأميركي في الحرب، محذرًا من أن واشنطن تُستدرج إلى صراع لا يخدم مصالحها المباشرة.

كما انضم إلى دائرة المعترضين عدد من الجمهوريين الذين دخلوا في صدام مباشر مع ترامب خلال الأشهر الأخيرة، من بينهم السيناتور بيل كاسيدي، الذي صوّت مع الديمقراطيين لصالح تقييد صلاحيات الرئيس العسكرية تجاه إيران، بعد خسارته الانتخابات التمهيدية بدعم مباشر من ترامب لمنافسه.

وفي يوم الذكرى الأميركي، بدا ترامب وكأنه يقاتل على أكثر من جبهة في آن واحد.

الرئيس، الذي بقي في البيت الأبيض طوال عطلة نهاية الأسبوع الطويلة لمتابعة المفاوضات مع إيران، وفضّل البقاء قرب غرفة القرار بدل السفر إلى نيوجيرسي أو حضور حفل زفاف نجله دونالد جونيور، ظهر للمرة الأولى وكأنه يواجه تمردًا واسعًا داخل معسكره السياسي نفسه.

ووصف ترامب معارضي الاتفاق مع إيران بأنهم "فاشلون"، معتبرًا أنهم يهاجمون اتفاقًا "لا يعرفون شيئًا عنه"، فيما انضم ماركو روبيو إلى الهجوم واصفًا المنتقدين الجمهوريين بـ"الضعفاء".

لكن الصورة العامة داخل واشنطن باتت أكثر تعقيدًا.

فالإدارة الأميركية تجد نفسها في مواجهة جزء من الجمهوريين، وأصوات مؤثرة داخل حركة "الماغا"، إلى جانب المعارضة الديمقراطية التقليدية التي ترى أن ترامب فشل أصلًا في تحقيق أهداف الحرب.

ويقول الديمقراطيون إن ترامب وعد بإنهاء المشروع النووي الإيراني، لكن البرنامج لا يزال قائمًا، كما وعد بإضعاف النظام الإيراني، بينما يبدو النظام اليوم أكثر تشددًا، إضافة إلى استمرار النفوذ الإقليمي الإيراني وقدرته على تهديد حلفاء واشنطن في الخليج.

وهكذا، بينما يقترب الاتفاق مع إيران من لحظته الحاسمة، يبدو ترامب للمرة الأولى منذ عودته إلى البيت الأبيض وكأنه يقف وحيدا.