اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

دفعت الأزمة الإيرانية التي استمرت ثلاثة أشهر باكستان إلى إعادة النظر في أمنها الطاقوي، بعدما كشفت هشاشة سلاسل إمداد الوقود واعتماد البلاد شبه الكامل على الواردات العابرة لمضيق هرمز. 

وفي خطوة غير مسبوقة، بدأت إسلام آباد وضع خطط لإنشاء أول احتياطي بترولي استراتيجي في تاريخها بهدف تعزيز قدرتها على مواجهة الأزمات الجيوسياسية وتقلبات أسواق الطاقة العالمية، بحسب " nikkei asia".

وأطلقت شعبة البترول التابعة لوزارة الطاقة الباكستانية الأسبوع الماضي مناقصة لإعداد دراسة جدوى حول مشروع تطوير احتياطيات بترولية استراتيجية، مؤكدة أن الاضطرابات الأخيرة في الإمدادات وتقلبات أسواق النفط الخام والمنتجات المكررة أظهرت الحاجة الملحة إلى بنية تحتية مرنة للتخزين والطوارئ تضمن استمرارية عمليات التكرير وتوافر الوقود دون انقطاع.

تعتمد باكستان على مضيق هرمز لتأمين ما يصل إلى 90% من وارداتها من النفط والغاز الطبيعي المسال، في حين لا تمتلك حتى الآن أي احتياطيات بترولية استراتيجية رسمية.

ووفقاً لمسؤول حكومي مطلع، تعتزم وزارة الطاقة اعتماد نموذج متعدد المستويات للاحتياطي البترولي يشمل مخزونات طوارئ تديرها الدولة، ومخزوناً إلزامياً تحتفظ به شركات القطاع، إضافة إلى مرافق تخزين تجارية محمية يمكن استخدامها عند الضرورة.

وتتضمن الخطة إنشاء محطات جمركية لتخزين النفط والوقود المستوردين تحت إشراف السلطات الجمركية، بما يسمح للتجار المحليين والدوليين بالاحتفاظ بالمخزونات دون دفع الرسوم والضرائب فوراً، مع إمكانية الاستفادة من هذه الكميات في حالات الطوارئ.

كما تشمل الاستراتيجية الجديدة تعزيز عمليات التنقيب المحلي عن النفط وتحديث المصافي الوطنية. وتشير البيانات الرسمية إلى أن استهلاك البلاد يبلغ نحو 300 ألف برميل يومياً، بينما لا يتجاوز الإنتاج المحلي 62 ألف برميل يومياً. 

ولتقليص الاعتماد على الواردات، تحتاج باكستان إلى رفع إنتاجها إلى ما بين 150 ألفاً و200 ألف برميل يومياً، وهو ما يتطلب استثمارات تقدر بنحو 6 مليارات دولار أو أكثر وفق الأسعار الحالية.

في إطار تنفيذ الخطة، تجري الحكومة الباكستانية مباحثات مع دول من الشرق الأوسط والصين لإنشاء محطات تخزين جمركية داخل البلاد.

وقال المسؤول الحكومي إن ميناء جوادر الاستراتيجي يُعد من أبرز المواقع المرشحة لاستضافة هذه المنشآت، في خطوة من شأنها تعزيز دور الميناء كمركز لوجستي وطاقوي في المنطقة.

وتأتي هذه التحركات في وقت توصي فيه وكالة الطاقة الدولية بأن تحتفظ الدول المستوردة للنفط بمخزونات تكفي لمدة لا تقل عن 90 يوماً. 

وبالمقارنة، كانت احتياطيات اليابان الاستراتيجية والتجارية حتى كانون الاول الماضي تكفي لتغطية 254 يوماً من الاستهلاك المحلي، بينما تمتلك الهند مخزوناً يغطي نحو 74 يوماً.

ورغم أن المخزونات التجارية الباكستانية كانت تكفي لمدة 28 يوماً عند اندلاع الأزمة المرتبطة بالصراع بين الولايات المتحدة وإيران، فإن غياب احتياطيات طوارئ حقيقية دفع الحكومة إلى التفكير في شراء شحنات غاز طبيعي مسال من السوق الفورية بأسعار مرتفعة، إلى جانب اتخاذ إجراءات لترشيد استهلاك الوقود.

وبحسب الخطط الأولية، تستهدف باكستان بناء مخزون استراتيجي يكفي لمدة 45 يوماً في المرحلة الأولى، مع إمكانية رفعه لاحقاً إلى 90 يوماً.

لكن خبراء الطاقة يشيرون إلى أن التحدي الأكبر لا يقتصر على شراء النفط، بل يشمل الاستثمارات المطلوبة في محطات التخزين والخزانات وأنظمة المراقبة ورأس المال العامل والتأمين وتمويل المخزون بالعملات الأجنبية. 

ويرى بعضهم أن الخيار الأكثر توازناً يتمثل في الجمع بين احتياطي نفطي محدود للطوارئ واستثمارات متوازية في تخزين البطاريات والطاقة المتجددة والطاقة النظيفة، بما يعزز أمن الطاقة الباكستاني على المدى الطويل ويقلل من تعرض البلاد لصدمات الأسواق والأزمات الجيوسياسية.


الأكثر قراءة

رسائل بالنار... وحراك دبلوماسي في بيروت مصير لبنان رهن مسارات متعددة... ورهان الدولة على روما