اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

لم يكن الرد الإيراني على العدوان الإسرائيلي الذي استهدف الضاحية الجنوبية لبيروت وجنوب لبنان مجرد حدث عسكري عابر في سياق المواجهة المفتوحة في المنطقة، بل بدا أقرب إلى إعلان سياسي وميداني عن مرحلة جديدة أعادت رسم جزء من معادلات الردع والتفاوض معاً.

لسنوات طويلة، راهنت الولايات المتحدة وإسرائيل على أن الضغوط العسكرية والعقوبات والتهديد بالحرب يمكن أن تدفع طهران إلى تقديم المزيد من التنازلات. واعتقد كثيرون أن إيران، مهما رفعت سقف خطابها، ستتجنب الذهاب إلى مواجهة قد تفرض عليها أثماناً باهظة. لكن ما جرى أخيراً أظهر أن هذه الحسابات لم تعد دقيقة كما كان يُعتقد، وأن سياسة الضغط الأقصى وصلت إلى حدود قدرتها على التأثير.

العدوان على الضاحية الجنوبية لم يُقرأ في طهران باعتباره استهدافاً موضعياً في لبنان، بل باعتباره جزءاً من محاولة أميركية ـ إسرائيلية لاختبار حدود الموقف الإيراني وقدرته على الصمود تحت الضغط. لذلك جاء الرد ليحمل أكثر من رسالة في اتجاه واحد: أن أمن لبنان، وخصوصاً الضاحية الجنوبية، لم يعد ملفاً منفصلاً عن التوازنات الإقليمية الكبرى، وأن استهدافها لن يمر من دون كلفة سياسية وميدانية.

الأهم أن الرد الإيراني لم يقتصر على البعد العسكري، بل حمل أبعاداً سياسية مرتبطة مباشرة بمسار التفاوض مع الولايات المتحدة. فقد بدا واضحاً أن طهران أرادت التأكيد أنها ما زالت متمسكة بالعمل للوصول إلى وقف شامل للاعتداءات على لبنان، وأن أي تفاهمات مستقبلية لا يمكن أن تتجاهل الأمن اللبناني أو تتعامل معه بوصفه تفصيلاً هامشياً.

وفي المقابل، كشفت التطورات الأخيرة أن الرهانات الإسرائيلية على جرّ الولايات المتحدة إلى مواجهة مفتوحة لا تتطابق بالكامل مع الحسابات الأميركية. فبينما تسعى حكومة الاحتلال إلى توسيع دائرة الصراع وفرض وقائع جديدة بالقوة، تبدو واشنطن أكثر ميلاً إلى استخدام التصعيد لتحسين شروط التفاوض لا لتفجير المنطقة بأكملها. ومن هنا برز التمايز الذي تحدثت عنه العديد من القراءات بين مقاربة الرئيس الأميركي دونالد ترامب ومقاربة بنيامين نتنياهو.

أما لبنان، فكان حاضراً في قلب هذه المعادلة. فإحدى أبرز النتائج السياسية التي ظهرت بعد الرد الإيراني تمثلت في عودة ملفات كانت مستبعدة أو مجمدة إلى التداول، وفي مقدمها ملف عودة النازحين إلى قراهم الجنوبية، بعدما كان الخطاب الإسرائيلي يتحدث صراحة عن بقاء قوات الاحتلال ومنع الأهالي من العودة. كما برزت مؤشرات على إعادة النظر في بعض الطروحات المتعلقة بآليات التنسيق واللجان الأمنية التي كانت تُطرح بصيغ تتجاوز الثوابت. 

الأكثر قراءة

معــارك «المعــادلات» بـين الكـسر والتثبــيت؟ لودريان على خط الوساطة... وعين التينة تنتظر «أجوبة»