ليست التجربة التاريخية مع الكيان الصهيوني مجرد فصل من فصول النزاع التقليدي بين الدول والأمم، بل مسار طويل غير تقليدي أعاد تشكيل الجغرافيا والوعي السياسي في المنطقة. فقد نشأت الدولة العبرية في سياق حرب عام 1948 وما رافقها من تهجير واسع للفلسطينيين، ثم تكرّس واقع الاحتلال عام 1967، ليتحوّل الصراع إلى قضية ممتدة تتجاوز الحدود العسكرية إلى أسئلة الأرض والهوية والحقوق.
في صلب هذا السجال يبرز توصيف" إسرائيل" بوصفها كيانًا توسعيًا لم يحسم حدوده النهائية، فيما يطالب الآخرين باحترام قواعد القانون الدولي. فبينما تتعاقب القرارات الدولية المؤكدة على عدم شرعية الاستيطان في الأراضي المحتلة، يستمر البناء الاستيطاني في الضفة الغربية بوتيرة ثابتة، وتبقى الوقائع الميدانية في تغيّر دائم. هذا التناقض بين النصوص القانونية والواقع العملي يغذي الشكوك في جدوى الاكتفاء بالرهان على المسار التفاوضي المجرد مع كيان غريب في النشأة والاستمرارية.
إلى ذلك، تتعزز الانتقادات الدولية الحقوقية للكيان العنصري القائم في فلسطين وباقي الأراضي المحتلة، حيث تصفه منظمات دولية بأنه يقوم على بنية تمييزية تفصل بين السكان على أساس عنصري، وبغض النظر عن السجال القانوني حول المصطلحات، فإن مشهد الحواجز والتوغلات اليومية وأعمال الهدم والاعتقالات في مدن الضفة الغربية يعمّق القناعة لدى شريحة واسعة بأن الاحتلال ما زال جوهر المشكلة، وأن أي حديث عن "سلام مستدام" (بين هلالين) ورغم عدم واقعيته ورفضنا له يتطلب معالجة جذوره لا الاكتفاء بإدارته.
أما في ما يخص لبنان، فالمسألة ليست نظرية. من اجتياح عام 1982 إلى حرب تموز 2006، وصولًا إلى التوترات الحدودية المتكررة، بقي الخطر الإسرائيلي عنصرًا حاضرًا في الحسابات اللبنانية. هذه الذاكرة الجماعية تجعل مقاربة الصراع محكومة بهاجس دائم: كيف يمكن حماية السيادة في ظل خلل واضح في موازين القوى؟
هنا تبرز إشكالية ما يطرحه البعض حول الحكمة السياسية. فالحكمة لا تعني التسليم بالأمر الواقع، كما لا تعني المغامرة غير المحسوبة. إنها محاولة لإيجاد توليفة دقيقة بين إدراك اختلال الموازين في القوى وبين صون الحد الأدنى من الكرامة والحقوق. الحكمة تقف عند حدود التفريط، وتبدأ عند حدود الواقعية؛ فهي إدارة للصراع لا إنكار له، لكنها في الوقت نفسه ترفض تحويل الخلل إلى قدر دائم.
من هذا المنطلق، تبدو معادلة “وجود الاحتلال يولّد حق المقاومة” منطقية في إطار القانون الدولي الذي يقرّ بحق الشعوب في تقرير مصيرها. فمشروعية المقاومة، في هذا الفهم، تتأتى من بطلان الاحتلال ذاته. غير أن هذا المبدأ العام لا يحسم وحده شكل المقاومة وأدواتها، إذ تبقى خاضعة لحسابات دقيقة تتعلق بالكلفة والنتيجة، داخليًا وإقليميًا.
في المقابل، يدعو بعضهم إلى اختبار خيار التفاوض باعتباره الطريق الأقل كلفة. غير أن مراجعة التجربة الفلسطينية لوحدها منذ اتفاقيات أوسلو عام 1993، تكشف تعقيدات المشهد. فبعد عقود من المفاوضات، ما زالت الدولة الفلسطينية غائبة، فيما يستمر الاستيطان وتتكرر العمليات العسكرية في الضفة الغربية. هذا الواقع يقدّم برهانًا حاسمًا على فشل التفاوض بحد ذاته، ويطرح واقعياً سؤال الضمانات والجدوى في ظل اختلال القوة.
وهمٌ كبير أن يُنظر إلى الأمور بوصفها بسيطة أو قابلة لحلول سريعة. الصراع مع هذا الكيان (إسرائيل ) نزاعًا حدوديًا محدودًا، بل تعبير عن مشروعين متعارضين في الرؤية والمرتكزات. لذلك فإن السلام الحقيقي لا يمكن أن يقوم على ترتيبات أمنية تقنية فحسب، بل على إعادة الحقوق إلى أصحابها وفق قواعد العدالة الدولية. غير أن تحقيق ذلك يصطدم ببنية فكرية عنصرية وأيديولوجية لهذا الكيان تتناقض مع فكرة السلام من أصلها.
في الحالة اللبنانية الراهنة، يثير أي اتفاق لوقف إطلاق النار أو لترتيبات أمنية جديدة سؤالًا محوريًا: هل يؤمّن حماية متوازنة، أم يفضي إلى انكشاف أحادي الجانب؟ التخوّف لا يتصل بمبدأ التهدئة بحد ذاته، بل بإمكان أن تتحول بعض الصيغ إلى مدخل لتجريد لبنان من عناصر قوته الدفاعية من دون ضمانات فعلية، ما قد يفتح الباب أمام توترات داخلية وانقسامات حول مفهوم السيادة وأدوات صونها.
ما العمل إذًا؟
ربما تكمن الإجابة في مقاربة مزدوجة: تثبيت الحقوق كمرجعية لا تخضع للمساومة، واعتماد براغماتية سياسية تمنع الانزلاق إلى ما هو أشد كلفة. فاستمرار الوضع القائم، على صعوبته، قد يبدو أحيانًا أقل خطرًا من اتفاق ناقص يبدّد عناصر القوة من دون أن يؤسس لفترة هدنة حقيقية.
لذا، ان القراءة الأولية البسيطة لما سمي اتفاق وقف النار الأخير ان دل على شيئ انما يدل على قصور في فهم المعادلات السياسية والأمنية، اذا لم نذهب الى ما هو أبعد وأدهى أي تفريط متعمد بالمكتسبات وبأوراق القوة وهي هنا حصراً المقاومة لقاء لا شيء، أو أخطر من اللاشيء أي تشريع الاحتلال وفتح الوضع الداخلي على مآزق جديدة.
إنها معادلة دقيقة بين القوة والحق، بين الواقعية والمبدأ. وفي هذه المساحة الضيقة تتحرك السياسة، محكومة بتاريخ ثقيل وواقع متقلب وأفق لم يُحسم بعد.
الأكثر قراءة
عاجل 24/7
-
00:06
الجيش الإسرائيلي: الإنذار المبكر في الشمال خاطئ.
-
00:01
حزب الله: قصفنا بالصواريخ تجمعات للعدو الإسرائيلي في القنطرة والبياضة والقوزح ورشاف في جنوب لبنان.
-
23:57
الجبهة الداخلية الإسرائيلية: إنذار مبكر عقب رصد هجوم صاروخي من لبنان يستهدف كريات شمونة ومناطق عدة شمالي "إسرائيل".
-
23:54
نائب الرئيس الأميركي جاي دي فانس لـ "سي بي إس": قريبون جدا من التوصل إلى اتفاق يعالج البرنامج النووي الإيراني على المدى الطويل.
-
23:48
التلفزيون الإيراني عن مصدر عسكري: لم ننفذ أي عمليات عسكرية هجومية جوية بمضيق هرمز خلال الـ24 ساعة الماضية.
-
23:19
ترامب لوول ستريت جورنال: الحصار يجعل إيران فقيرة للغاية وسيبقى ساريا طالما دعت الحاجة إلى ذلك.
