اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

بعد مرور عقد من الزمن على الاستفتاء التاريخي لـ"البريكست"، تواجه مدينة بوسطن البريطانية في مقاطعة لينكولنشاير مفارقة قاسية صبغت ملامحها اليومية بالمرارة، فالمدينة الريفية التي منحت خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي أكبر انتصار شعبي وأعلى نسبة تصويت في البلاد، باتت اليوم الشاهد الأبرز على الوعود المتبخرة والخيبة التي خلفها ذاك القرار المصيري.

وعلى متن قطار "إيست ميدلاندز" المتجه نحو هذه المدينة التي عُرفت بـ"عاصمة البريكست"، يبدو الزمن وكأنه يتحرك ببطء شديد، ليعكس واقعاً محلياً يرزح تحت وطأة الركود والخدمات المتداعية. فبين حقول الريف الإنجليزي الممتدة، تراقب ماري، وهي ممرضة أربعينية، ساعتها بقلق خشية التأخر عن نوبتها في مستشفى خاص بالمدينة التي يقطنها نحو 75 ألف نسمة.

ماري، التي اضطرت قبل 3 سنوات لمغادرة وسط بوسطن والسكن بعيداً عنها بسبب تردي الأوضاع المعيشية والضغط على الخدمات، تختصر مشهد التراجع والخذلان بأسى، قائلة لصحيفة "لكسبريس" الفرنسية: "أصبحت المدينة أشبه بجحر للفئران... إنها آلة حقيقية لصناعة الاكتئاب"، لتعبر بكلماتها عن حال مجتمع محلي صوّت يوماً بكثافة للتمرد على بروكسل، ليجد نفسه اليوم يصارع وعوداً تبخرت ومستقبلاً لم يصل.

هذا الواقع المأساوي يأتي كصدمة قاسية لمدينة صوّت سكانها بأغلبية ساحقة قبل عقد من الزمن لصالح الانفصال عن بروكسل، مدفوعين بوعود برّاقة روجت آنذاك لضخ 350 مليون جنيه إسترليني أسبوعياً في شريان هيئة الخدمات الصحية الوطنية (NHS).


من بوابة أوروبا إلى "عاصمة البريكست"

واليوم، مع تدهور الخدمات واحتضار المدينة الاقتصادي، لا يجد السكان سوى حسرة واحدة يجمعون عليها: "كانت أكاذيب... أكاذيب فقط"، وهو المناخ الخانق الذي بات يوفر بيئة مثالية لتيارات اليمين المتطرف للتوغل واستغلال حالة الإحباط الشعبي العام.

يطل برج كنيسة "سانت بوتولف"، الأعلى بين المباني الدينية في المملكة المتحدة بارتفاع 81 مترًا، كشاهد على زمن ازدهار المدينة، فمن هنا أقنع القس جون كوتون عام 1630 نحو 700 من سكان بوسطن، أي عُشر سكانها آنذاك، بالهجرة إلى العالم الجديد لتأسيس مدينة حملت الاسم نفسه على الساحل الشرقي للولايات المتحدة؛ بوسطن الأمريكية التي تحولت لاحقًا إلى واحدة من أهم المدن الجامعية والاقتصادية في العالم.

ولقرون طويلة كانت بوسطن البريطانية ثاني أكبر موانئ البلاد، وبوابة المملكة المتحدة إلى أوروبا، لكن تلك البوابة أُغلقت بقوة في استفتاء عام 2016، حين صوّت 76% من سكان المدينة لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبي، وهي أعلى نسبة تقريبًا على مستوى البلاد، ما منحها لقب "عاصمة البريكست".

وبعد مرور 10سنوات، لا تزال أعلام إنجلترا ترفرف فوق بعض أعمدة الإنارة، لكنها ممزقة وباهتة، وكأنها تعكس حال المدينة نفسها. 

يقول النائب المحافظ السابق مات وارمان: كان الاستفتاء يدور حول قضيتين أساسيتين بالنسبة للسكان، الهجرة والاقتصاد. رأى كثيرون في البريكست فرصة أو مقامرة تستحق المجازفة لأن حياتهم كانت بحاجة إلى التغيير. لكنني لا أعتقد أن بوسطن أصبحت أفضل اقتصاديًا مما كانت عليه قبل 10 سنوات".

مدينة الفقر والسمنة والجريمة

في أعقاب الاستفتاء، تحولت بوسطن إلى وجهة لوسائل الإعلام العالمية التي جاءت تبحث عن تفسير لهذا التصويت الكاسح. وما وجدته كان مدينة تعاني مشكلات متراكمة: معدلات مرتفعة للجريمة، ونسب سمنة تتجاوز ثلث السكان البالغين، وأجور تعد من الأدنى في بريطانيا، فضلًا عن صعوبات كبيرة في دمج المهاجرين.

وبعد عقد كامل، لا تبدو الصورة أكثر إشراقًا، فالمتاجر تغلق أبوابها الواحد تلو الآخر، والحياة التجارية تتراجع بصورة لافتة.

أنطون داني، رئيس البلدية السابق وأحد أبرز المؤيدين للبريكست، باع مقهاه الشهير في وسط المدينة بعدما انتهت ولايته، لكنه لم يخسر مشروعه فحسب، بل خسر أيضًا إيمانه بالمشروع الذي دافع عنه يومًا قائلا: لا يوجد ما يستحق الاحتفال. الانقسامات بين الجاليات تتفاقم، والناس يشعرون بالإحباط. كل شيء بُني على وعود كاذبة. اليوم أشعر بالخجل عندما أقول إنني قاتلت من أجل البريكست".

بالقرب من مقهاه السابق أغلقت حانة "بريتانيا" أبوابها، كما اختفى محل الزهور المجاور لها، ويقدّر السكان أن نحو ثلث متاجر وسط المدينة أُغلق خلال السنوات الأخيرة. كما غادرت سلسلة "ماركس آند سبنسر" المدينة عام 2019 بعد أكثر من قرن من الحضور، وتبعها مركز "أولدريدز" التجاري عام 2020، ثم أغلقت آخر مكتبة تابعة لسلسلة "دبليو إتش سميث" أبوابها عام 2024.

يجلس إريك تامب، وكيل التأمين المتقاعد، على مقعد قرب كنيسة سانت بوتولف يراقب أسراب النوارس والطائرات العسكرية التي تقلع من قاعدة جوية قريبة، ويقول: "هذه مدينة تحتضر. لم تعد هناك متاجر أو مطاعم تقريبًا. إذا أردت شراء حذاء جيد أو سترة ذات جودة مناسبة فعليك مغادرة المدينة".


الهجرة.. الجرح الذي لم يلتئم

وبالنسبة لكثير من السكان، ظلت قضية الهجرة المحرك الأساسي وراء التصويت للبريكست، فمع انضمام 8 دول من أوروبا الشرقية إلى الاتحاد الأوروبي عام 2004، فتحت بريطانيا سوق العمل أمام مواطنيها، ما أدى إلى ارتفاع أعداد المهاجرين في بوسطن بنسبة تجاوزت 460% خلال عقد واحد.

ويرى أنطون داني أن معظم الوافدين جاؤوا بهدف العمل وتحويل الأموال إلى بلدانهم الأصلية أكثر من رغبتهم في الاستقرار والاندماج. ويضيف "قدمنا دروسًا مجانية لتعليم اللغة الإنكليزية ولم يحضر أحد تقريبًا. لكل جالية مطاعمها ومتاجرها الخاصة، والجميع يعيش داخل دائرته".

وتفاقمت التوترات بعد الاستفتاء، مع انتشار شعارات معادية للأجانب وحوادث لفظية وعنصرية. وتروي صاحبة مطعم ليتواني صغير أن بعض الجيران كانوا يطالبونهم صراحة بمغادرة البلاد. وتضيف "أطفالي نشأوا هنا ويدرسون في مدارس بريطانية، لكن إذا وصل نايجل فاراج إلى السلطة فسيصبح البقاء أكثر صعوبة".

اليمين المتطرف المستفيد الأكبر

مع تلاشي وعود البريكست واستمرار التدهور الاقتصادي، وجد الغضب الشعبي منفذًا جديدًا عبر حزب "ريفورم يو كيه"، اليمين المتطرف، بقيادة نايجل فاراج، الذي يحقق تقدمًا متسارعًا في الانتخابات المحلية.

ويرى مات وارمان أن نجاح الحزب لا يعود فقط إلى خطاباته المناهضة للهجرة، بل إلى شعور الناخبين بأن المحافظين خذلوهم، بينما لم ينجح حزب العمال في تقديم بديل مقنع. ويضيف "في انتخابات 2024 لم تتجاوز نسبة المشاركة 53%، وهو مؤشر واضح على أن الناس فقدوا الثقة في الطبقة السياسية بأكملها".

بعد 10 سنوات على البريكست، تبدو بوسطن وكأنها تعيش مفارقة قاسية؛ المدينة التي منحت الخروج من الاتحاد الأوروبي أكبر انتصار شعبي، أصبحت اليوم واحدة من أبرز الشواهد على خيبة الأمل التي خلفها ذلك القرار. وبين اقتصاد متراجع، وانقسامات اجتماعية متزايدة، وصعود لليمين الشعبوي، لا تزال "عاصمة البريكست" تنتظر المستقبل الذي وُعدت به ولم يصل.

الكلمات الدالة