اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

في بلدٍ تتزاحم فيه التحديات، كما تتراكم فيه التجارب التاريخية الثقيلة، يبقى لبنان مساحةً مفتوحة على سؤالٍ جوهري: كيف يمكن تحويل التنوّع والاختلاف إلى قوةٍ جامعة، بدل أن يكونا عامل انقسام؟ ورغم كلّ ما يفرّق اللبنانيين من الدين إلى الطائفة والمعتقد والانتماء الحزبي والمناطقي والسياسي، فإن ما يجمعهم أعمق بكثير، وهو الإيمان بإمكان بناء دولةٍ متماسكة، ومجتمعٍ متضامن، قادر على مواجهة الأزمات عبر الثقة والشرْكة والمسؤولية المشتركة.

من هذا المنطلق، جاء تنظيم ملتقى "التماسك الاجتماعي: الدولة والمسؤولية المشتركة"، الذي عُقد في المكتبة الوطنية في الصنائع التابعة لوزارة الثقافة، بمبادرة مشتركة من وزارات الثقافة الإعلام، التربية والتعليم العالي، والشباب والرياضة، ليشكّل مساحة حوار وطنية حول المواطنة والانتماء وتعزيز ثقافة المشاركة، بعد تحضيرات استمرت منذ فترة، وبتأكيد واضح على أنّ التماسك الاجتماعي ليس شعاراً نظرياً، بل مشروع وطني يحتاج إلى تراكم في الفكر والممارسة.

وقد تميّز الملتقى بمشاركة فاعلة من الشباب والطلاب، الذين بادروا إلى النقاش ضمن طاولات مستديرة، جمعت مجموعات من مختلف الاختصاصات والانتماءات، في تعبيرٍ مباشر عن إيمان الجيل الجديد، بأنّ المواطن ليس متلقياً للتغيير بل صانعٌ له، وأنّ الشرْكة تبدأ من الحوار والتفاعل لا من الانتظار.

سلامة: الذاكرة وصناعة الثقافة

وفي هذا السياق، قدّم وزير الثقافة غسان سلامة رؤية وزارته بوصفها إحدى الركائز الأساسية في مشروع التماسك الاجتماعي، مؤكداً أن استضافة هذا الملتقى في المكتبة الوطنية، تعكس التماهي مع هذا المشروع الحيوي الذي "آن أوانه".

وأوضح أن وزارة الثقافة تضطلع بثلاث وظائف أساسية في خدمة التماسك الاجتماعي:

- أولا: كونها "حارسة الذاكرة المبنية وغير المبنية"، عبر صون التراث المادي وغير المادي، من المواقع الأثرية إلى الذاكرة التاريخية الوطنية، مع الإشارة إلى أهمية استحضار محطات مفصلية، كالحرب الأهلية وانفجار بيروت، بوصفها لحظات اعتراف ومسؤولية جماعية وإرادة، لتجاوز الألم نحو المستقبل.

ثانيا: إدماج الشباب في الصناعة الثقافية، التي باتت تشكّل جزءاً مهماً من الاقتصاد الوطني يصل إلى 6,5%، مع الإشارة إلى فتح عدد من الأسواق تتميّز بأنها غير ملوِّثة للطبيعة، ولا تعتمد على مواد أولية غير متوافرة في لبنان، وتستند إلى مهارات بشرية مؤهلة (لدينا 450 متخرّج سنوياً)، قادرة على جعل الثقافة رافعةً اقتصاديةً واعدة في مرحلة ما بعد الحرب.

ثالثا: إبقاء النقاش العام حيّاً، والدفاع عن حرية التعبير ، باعتبارها إحدى أبرز القيم اللبنانية، مع التشديد على ضرورة استخدامها بمسؤولية، بما يمنع تحويلها إلى أداة تشويه أو تضليل أو إقصاء، ويكرّسها كمساحة للحوار البنّاء واحترام الآخر.

وختم سلامة بالتأكيد على أنّ وزارة الثقافة، إلى جانب الوزارات الشريكة، تعمل في إطار رؤية مشتركة ، تهدف إلى تعزيز التماسك الاجتماعي والوحدة الوطنية وحرية التعبير، كركيزة أساسية في بناء الدولة.

بيرقدريان والمواطنة المسؤولة

من جهتها، قدّمت وزيرة الشباب والرياضة نورا بيرقدريان مداخلة، ركّزت فيها على مقاربة وزارتها لمفهوم التماسك الاجتماعي، من خلال نشاط حمل عنوان: المواطنة المسؤولة. وقد أطلقت هذا المفهوم في الاونيسكو، في حضور رئيس الحكومة و250 شابًا وشابة تناقشوا في طاولات مستديرة.

وذكرت بأنّه جرى وضع أسس المواطنة من خلال البناء من الأسفل إلى الأعلى. وجرى الحديث عن 10 محاور أساسية للمواطنة المسؤولة من الرقمية إلى البيئية والمجتمعية. وخلصوا إلى التزامات عديدة أبرزها: يلتزم شباب لبنان بالمواطنة التشاركية ورفض الإقصاء، بهدف الانفتاح على كلّ اللبنانيين، والتلاقي حول مفهوم التشاركية والشرْكة والتماسك المجتمعي، وبإشراك الشباب بالسياسات العامّة، وبإنشاء استراتيجية وطنية للشباب، مشيرة إلى إطلاق منصة إلكترونية كمساحة تواصل بين الوزارة والشباب، فضلاً عن تطبيق نتحدّث عنه لاحقاً. فضلاً عن الالتزام بالمواطنة الضامنة للوحدة الوطنية وتلك المهدّدة للسلام ونبذ العنف واحترام الآخر.

وختمت بأنّه بالمواطنة المسؤولة نسعى إلى إشراك الجميع دون تمييز. وتوجّهت إلى الشباب بالقول: "أنتم شركاؤنا مارسوا دوركم، ولكن بمسؤولية".

مرقص وحملات التوعية

أمّا وزير الإعلام بول مرقص فعرض مبادرة وزارته، متحدّثاً عن دور الوزارة ليس فقط في متابعة وسائل الإعلام، بل في توعية المجتمع.

وقال: "إنّ التنوّع الذي يميّز مجتمعنا يجب ألا يسيء إلى وحدتنا وقيمنا المجتمعية. نرى التشنّج في المجتمع في زمن الحرب، نابعاً من انفعالات وغضب وحاجات متزايدة، والاستشهاد والإصابات الخ. كل هذه الأعباء المتزايدة جعلت التقاذف بالمسؤولية ، يظهر في بعض وسائل الإعلام في بعض الأحيان، وعلى وسائل التواصل الاجتماعي في أحيان كثيرة".

وأشار الى أنّه في القانون الحالي للإعلام، ليس من صلاحيات قانونية تجاه وسائل التواصل، ولكن لدينا مسؤولية ودور. لهذا يجري العمل بعد اجتماعات مكثّفة على "قانون جديد للإعلام"، يخلف قانون العام 1994، يتضمن فصلاً خاصّاً لتنظيم الموآقع الإلكترونية، ويأخذ بالاعتبار معايير عديدة مثل وجود موقع، ومسؤولين عنه ومحرّرين لديهم شهادات وخبرات الخ. فضلاً عن تضمين المشروع أحكاماً تتعلّق بخطاب الكراهية، وعدم الاستقرار الاجتماعي.

والى حين إقرار القانون الجديد، لفت إلى القيام بدور توعوي لإزالة التشنّجات التي تؤدي إلى ضرب التماسك الاجتماعي، والتي تحوّل الإعلام إلى جرم ينال من حقوق الناس وطقوسهم وشعائرهم الدينية.

وطلب من الشباب التعبير عن الرأي، مع الأخذ بالاعتبار حقوق الآخرين وخصوصيتهم وكرامتهم وكرامة عائلاتهم. فممارسة حرية التعبير لا تعني إيذاء الآخر وإهانته والحط من قدره.

وتحدّث عن أهمية الشرْكة مع المنظمات الدولية، لا سيما الأونيسكو والأمم المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر واليونيفيل في نشر فيديوهات توعوية. فضلاً عن التعاقد مع شركات إنتاج مثل الصبّاح للإنتاج ، تحت شعار "اختلف مع الآخر ولكن بحبّ"، ومع الأمم المتحدة في حملة "كون جزء من الحقيقة مش من التضليل"، وحملة "سوا من باب الخير". وجرى عرض لبعض من هذه الفيديوهات التي بدأت تُبث على شاشات التلفزة مجّاناً.

كرامي والمدرسة المستقبلية

وعرضت وزيرة التربية والتعليم العالي ريما كرامي الرؤية الاستراتيجية لوزارتها، مركزةً على دور التعليم في بناء المواطنة، وتكريس قيم الانتماء والتنوّع، وتطوير المناهج والبيئة التربوية ، بما يرسّخ ثقافة الحوار منذ المراحل الدراسية الأولى.

وتناولت مسار الوزارة وصولاً إلى التماسك، مع تفعيل دور النوادي الطالبية في المدارس وتخيّل المدرسة المستقبلية، مع اختبار العيش كأفراد مترابطين في المجتمع رغم الاختلافات.

وأشارت إلى أن الطالب هو الأساس ثم يأتي دور المعلم، لافتة إلى اهمية "الشراكات" الدولية ليس للتمويل فقط، بل لبناء جسر التواصل مع الفكر في المنطقة والعالم. وتحدّثت عن اهمية المناهج الجديدة التي ستعتمد في المدارس كونها مجتمعاً مصغّراً، وعن كيفية العمل من خلالها على ان يكون الطالب جزءاً من المجتمع التعددي.

وتناولت عناوين الرؤية الاستراتيجية الجديدة أبرزها: التعاون مع الوزارات الأخرى والجامعات لاستثمار الطاقات الشبابية، ودعوة الشركاء للدلالة على المشاريع، فيما مهمة وزارة التربية خلق التناغم والتركيز.

وختمت: " التماسك لا يمكن لوزارة واحدة ان تبنيه لهذا قرّرت الوزارات الأربع العمل معاً، "لبناء عقد اجتماعي جديد بين دولة مسؤولة ومجتمع خلّاق"، على ما يقول الرئيس سلام.

طاولات مستديرة

وبعد الكلمات، انتقل المشاركون إلى الطاولات المستديرة، حيث ناقش الطلاب ثلاثة محاور أساسية: تقييم المبادرات المطروحة وأبرز ما لفت انتباههم فيها، ودورهم في تحقيق أهداف التماسك الاجتماعي وفق اختصاصاتهم ومواقعهم، فضلاً عن تقديم توصيات عملية لتحويل هذه الجهود المشتركة إلى مسار وطني مستدام، يعزّز وحدة المجتمع ويكرّس الشرْكة بين الدولة وشبابها. 

الأكثر قراءة

عــون يــؤكــد: أي تســوية ستــتم من خـــلالـنا أبرز بنود الاتفاق الأميركي - الإيراني المرتقب