اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

اتفقت دول مجموعة السبع على إطلاق شراكة جديدة لتعزيز أمن إمدادات المعادن الحيوية، في خطوة تعكس تنامي القلق الغربي من الاعتماد الكبير على الصين في توفير المواد الأساسية اللازمة للصناعات الدفاعية والتكنولوجية ومشروعات الطاقة النظيفة.

وجاء الاتفاق خلال اجتماعات القمة الأخيرة للمجموعة، حيث أعلن القادة عن إنشاء منصة تنسيق مشتركة تهدف إلى مراقبة سلاسل الإمداد وتعزيز التعاون بين الدول الأعضاء لتأمين وصول مستقر إلى المعادن الاستراتيجية، وسط مخاوف متزايدة من تأثير التوترات الجيوسياسية على الأسواق العالمية.

وتسعى الاقتصادات الصناعية الكبرى إلى معالجة نقاط الضعف التي كشفتها القيود الصينية الأخيرة على صادرات بعض المنتجات المرتبطة بالعناصر الأرضية النادرة والمغناطيس الدائم، وهي مواد تدخل في تصنيع مجموعة واسعة من التقنيات الحديثة، بدءًا من المركبات الكهربائية ووصولًا إلى الأنظمة العسكرية المتقدمة.

أهداف لتقليص الاعتماد وضعت مجموعة السبع أهدافًا طويلة المدى لتنويع مصادر التوريد وتقليل الاعتماد على أي مورد منفرد خارج المجموعة وشركائها الاستراتيجيين.

ووفقًا للخطة الجديدة، تستهدف الدول الأعضاء خفض الاعتماد على مصدر واحد للعناصر الأرضية النادرة والمغناطيس الدائم إلى أقل من 60% بحلول عام 2030، مع العمل على تقليص هذه النسبة إلى 50% في مرحلة لاحقة. وسيركز التعاون في مرحلته الأولى على معدني الليثيوم والنيكل، اللذين يعدان من أهم المواد المستخدمة في صناعة البطاريات وتقنيات الطاقة النظيفة. 

كما تعتزم المجموعة توسيع نطاق المبادرة تدريجيًا ليشمل معادن استراتيجية أخرى، مع إعطاء أولوية خاصة للعناصر الأرضية النادرة. ويعكس هذا التوجه إدراكًا متزايدًا لدى الحكومات الغربية لأهمية المعادن الحيوية في دعم التحول نحو الاقتصاد الأخضر وضمان استمرارية الصناعات المتقدمة التي تعتمد عليها الاقتصادات الحديثة.

وتتضمن المبادرة إنشاء منصة تنسيق ومتابعة جديدة تهدف إلى تعزيز تبادل المعلومات بين الدول الأعضاء، ورصد أي اضطرابات محتملة في الإمدادات، وتنسيق الاستجابات السياسية والاقتصادية لمواجهة الأزمات.

ومن المقرر أن تعمل المنصة بالتعاون مع وكالة الطاقة الدولية، التي ستتولى تقديم تحليلات دورية للأسواق وإنذارات مبكرة بشأن مخاطر نقص الإمدادات أو حدوث اختلالات تؤثر في سلاسل التوريد العالمية.

ويرى المسؤولون أن هذه الآلية ستساعد على تحسين قدرة الدول الصناعية على الاستجابة السريعة لأي صدمات مستقبلية قد تؤثر على توفر المواد الخام الاستراتيجية.

وأكد قادة المجموعة أن تعزيز أمن المعادن الحيوية يتطلب زيادة الاستثمارات عبر مختلف مراحل سلسلة القيمة، بما يشمل عمليات التعدين والمعالجة والتكرير والتصنيع وإعادة التدوير.

ومن المتوقع أن تلعب مؤسسات تمويل التنمية ووكالات ائتمان الصادرات، إلى جانب القطاع الخاص، دورًا محوريًا في تمويل المشروعات الجديدة وتطوير البنية التحتية اللازمة لتوسيع الإنتاج.

وبحسب بيان القمة، تم الإعلان عن نحو 200 مشروع مرتبط بالمعادن الحيوية منذ بداية عام 2026، باستثمارات تقدر بعشرات المليارات من الدولارات، ما يعكس تسارع الجهود الغربية لبناء قدرات إنتاجية بديلة وتقليل الاعتماد على الموردين الخارجيين.

لم تعد المعادن الحيوية تُعامل في العواصم الغربية باعتبارها مجرد سلع تجارية، بل أصبحت جزءًا أساسيًا من حسابات الأمن القومي والاستراتيجية الصناعية.

فالعناصر الأرضية النادرة والليثيوم والنيكل والكوبالت تدخل في تصنيع الرقائق الإلكترونية، وأشباه الموصلات، والمركبات الكهربائية، وأنظمة تخزين الطاقة، والمعدات العسكرية المتطورة، وتقنيات الذكاء الاصطناعي.

وتخشى الحكومات الغربية من أن يؤدي أي اضطراب في تدفق هذه المواد إلى إبطاء التحول نحو الطاقة النظيفة أو التأثير على القدرات الدفاعية والصناعية للدول المتقدمة، وهو ما دفعها إلى البحث عن بدائل أكثر تنوعًا واستدامة.

ورغم الطموحات الكبيرة التي تتضمنها المبادرة، فإن تحقيق أهدافها لن يكون مهمة سهلة. فالصين لا تهيمن فقط على استخراج بعض المعادن، بل بنت خلال العقود الماضية شبكة واسعة تشمل المعالجة والتكرير والتصنيع والخدمات اللوجستية، ما منحها موقعًا محوريًا في سلاسل الإمداد العالمية.

ويرى خبراء أن بناء منظومة بديلة يتطلب سنوات من الاستثمار والتنسيق السياسي والدعم الحكومي، فضلًا عن جذب رؤوس الأموال الخاصة إلى مشاريع غالبًا ما تحتاج فترات طويلة لتحقيق العوائد.

كما أن لجوء دول مجموعة السبع إلى أدوات مثل الشراء المشترك، والحوافز الحكومية، وآليات دعم الأسعار، يعكس تحولًا ملحوظًا في السياسات الاقتصادية الغربية نحو تدخل أكبر للدولة في القطاعات الاستراتيجية، بعد عقود من الاعتماد على آليات السوق الحرة.

ومع بدء تنفيذ البرامج الأولية الخاصة بالليثيوم والنيكل، تتجه الأنظار إلى قدرة دول المجموعة على تحويل التعهدات السياسية إلى مشاريع إنتاجية فعلية، وبناء سلاسل توريد جديدة قادرة على تلبية الطلب المتزايد على المعادن الحيوية.

ويعتبر مراقبون أن نجاح هذه المبادرة قد يؤدي إلى إعادة تشكيل خريطة إمدادات المعادن الاستراتيجية عالميًا خلال السنوات المقبلة، فيما قد يؤدي تعثرها إلى استمرار اعتماد الاقتصادات الغربية على الصين، بما يحمله ذلك من مخاطر اقتصادية وجيوسياسية متزايدة.

الكلمات الدالة

الأكثر قراءة

تعنت اسرائيلي... والمقاومة ترفض التفاوض المباشر نصائح عربية - فرنسية بتغيير اولويات مسار واشنطن