اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

في الوقت الذي تواصل فيه إيران والولايات المتحدة مسار التفاوض الذي انطلق عقب الحرب الأخيرة، تتبنّى المؤسسة العسكرية والأمنية الإيرانية خطاباً متشددًا تجاه واشنطن وتل أبيب، في مشهد يعكس ازدواجية واضحة بين لغة الدبلوماسية ورسائل الردع الميداني.

فبينما تستمر جولات المتابعة في سويسرا بوساطة باكستانية وقطرية لتنفيذ مذكرة التفاهم الموقعة بين الجانبين، يحرص قادة الحرس الثوري والمؤسسة الأمنية على التأكيد أن الاتفاق لا يمثل نهاية للمواجهة الإستراتيجية، بل مجرد ترتيب مؤقت ومشروط مرتبط بمدى التزام الأطراف الأخرى ببنوده.

ويرى مراقبون أن هذا الخطاب المتوازي أصبح السمة الأبرز لمرحلة ما بعد الحرب، حيث تسعى طهران إلى الحفاظ على أوراق ضغطها الإقليمية في الوقت الذي تنخرط فيه في مفاوضات سياسية مع واشنطن، بحسب "المونيتور".


لبنان وهرمز في صدارة الرسائل الإيرانية

أبرز الرسائل التصعيدية جاءت من قائد فيلق القدس العميد إسماعيل قاآني، الذي وجّه خطابًا مباشرًا باللغة العبرية إلى القوات الإسرائيلية، محذرًا من استمرار وجودها في جنوب لبنان، ومذكرًا بانسحابها من المنطقة عام 2000 بعد احتلال دام نحو 18 عامًا.

واعتبر قاآني أن تجربة الانسحاب الإسرائيلي السابقة تمثل دليلًا على أن المقاومة قادرة على فرض نتائج إستراتيجية، في إشارة إلى أن التفاهمات الدبلوماسية الحالية لم تُلغِ منطق المواجهة الذي تتبناه إيران في المنطقة.

كما ربط مسؤولون إيرانيون بين العمليات العسكرية الإسرائيلية في لبنان وبين المسؤولية الأمريكية، معتبرين أن أيّ تصعيد هناك قد يُنظر إليه بوصفه انتهاكًا غير مباشر للترتيبات التي أفرزتها مذكرة التفاهم الأخيرة.

وفي السياق ذاته، صعّد محسن رضائي، المستشار العسكري البارز للمرشد الأعلى مجتبى خامنئي، لهجته محذرًا من أن الولايات المتحدة ستتحمل مسؤولية أي تهديد للمصالح الإيرانية، في رسالة بدت موجهة إلى واشنطن وإلى التيار المحافظ داخل إيران في الوقت نفسه.

أما رئيس لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني إبراهيم عزيزي، فقد أعاد تأكيد أهمية مضيق هرمز كورقة ضغط إستراتيجية، مشددًا على أن السيطرة على الممر المائي الحيوي تبقى جزءًا من أدوات الردع التي تمتلكها الجمهورية الإسلامية في مواجهة خصومها.


اتفاق قائم على انعدام الثقة

ورغم استمرار المسار التفاوضي، يواصل المسؤولون العسكريون الإيرانيون تقديم مذكرة التفاهم بوصفها اتفاقًا قابلًا للتراجع وليس تحولًا إستراتيجيًّا دائمًا في العلاقات مع الولايات المتحدة.

وفي هذا الإطار، أكد وزير الدفاع الإيراني بالوكالة العميد ماجد ابن الرضا، خلال اتصال هاتفي مع نظيره الباكستاني، أن القوات المسلحة الإيرانية لا تزال تنظر إلى الولايات المتحدة باعتبارها خصمًا لا يمكن الوثوق به، محذرًا من رد قوي على أي خرق محتمل للاتفاق.

وتعكس هذه التصريحات حالة من الحذر العميق داخل المؤسسة العسكرية الإيرانية، التي تتعامل مع الاتفاق من منظور تكتيكي يرتبط بظروف ما بعد الحرب، وليس باعتباره بداية لمرحلة جديدة من العلاقات الثنائية.

ويرى محللون أن هذا النهج يعكس إرثًا طويلًا من الشكوك المتبادلة بين البلدين، خاصة بعد سنوات من الصراعات والعقوبات والمواجهات غير المباشرة في المنطقة.


إستراتيجية المسارين

تشير المؤشرات إلى أن طهران تعتمد ما يمكن وصفه بـ"إستراتيجية المسارين"، حيث تواصل التفاوض مع واشنطن عبر القنوات الدبلوماسية، بينما تحافظ في الوقت ذاته على خطاب عسكري مرتفع السقف يضمن بقاء أدوات الضغط الإقليمية فعالة.

وليس هذا النهج بجديدٍ في السياسة الإيرانية؛ إذ سبق أن رافقت المفاوضات النووية السابقة رسائل عسكرية وتحركات إقليمية هدفت إلى تعزيز الموقف التفاوضي الإيراني ومنع تقديم تنازلات مجانية.

غير أن خصوصية المرحلة الحالية تكمن في أنها تأتي عقب حرب مباشرة بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى؛ ما جعل مستويات الثقة أكثر انخفاضًا، ورفع منسوب الشكوك حول قدرة أي اتفاق على الصمود لفترة طويلة.

ويعتقد مؤيدو هذا الأسلوب داخل إيران أن التمسك بأوراق الضغط في لبنان ومضيق هرمز يمنح طهران نفوذًا إضافيًّا خلال المفاوضات ويَحول دون استنزاف مكاسبها السياسية والعسكرية. 

في المقابل، يحذر التيار الأكثر اعتدالًا من أن استمرار الخطاب التصعيدي قد يبعث برسائل سلبية بشأن جدية الالتزام بالاتفاق.


معركة النفوذ داخل النظام

ويكشف تباين الخطابات الصادرة عن المؤسسات العسكرية والبرلمانية والدبلوماسية الإيرانية عن وجود مقاربات مختلفة داخل النظام بشأن كيفية إدارة مرحلة ما بعد الحرب.

ففي حين تدفع الدوائر الدبلوماسية نحو تثبيت التفاهمات وتوسيعها، تسعى مراكز القوة الأمنية والعسكرية إلى ضمان عدم تحوّل الاتفاق إلى قيد يحد من قدرة إيران على الرد أو التصعيد مستقبلًا.

وبذلك تبدو مذكرة التفاهم، وفق القراءة السائدة داخل المؤسسة الأمنية الإيرانية، أقرب إلى هدنة مدارة منها إلى تسوية نهائية، إذ تُستخدم الدبلوماسية لخفض التوتر، بينما تبقى خيارات المواجهة حاضرة في الحسابات الإستراتيجية.

وفي ظل هذه المعادلة، لا يبدو أن طهران تتجه نحو تخفيف خطابها العسكري، بل إلى إعادة توظيفه كجزء من عملية التفاوض نفسها؛ ما يجعل الاتفاق الحالي محطة مؤقتة ضمن صراع أوسع لم تُحسم فصوله بعد.


الأكثر قراءة

هل تنجح مفاوضات واشنطن في ترجمة تفاهمات سويسرا؟ روبيو: لبنان خارج الاتفاق وغرفة عسكرية لمواكبة «الخلية الرباعية»