اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

أكثر وأكثر يتبيّن أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب يملك «رؤية بعيدة»، عكس ما استنتجه الكثيرون خطأ. ومقاربته ترتكز إلى التفكيك وإعادة التركيب في حسابات، ترتكز على كتابه «فن الصفقة»، وعلى ربطه بقراءة براغماتية للعلاقات بين الدول.

أما تركيزه الأساسي فهو على كيفية وقف صعود «دولة الصين» إلى دور امبراطوري اقتصادي ومالي وسياسي، وعلى رسم حدود لروسيا الاتحادية، وعلى «التكيّف» مع الحرب الأميركية – الايرانية، بحيث لا يكون من أهدافها سقوط النظام الايراني، وإنما «تغيير سلوكه» بما ينسجم مع «رؤيته البعيدة»، ومع إعادة «تعريف نفوذه» وتحديدا في دائرة سوريا الطبيعية، ومساهمته إلى جانب واشنطن في ترتيبات الإستقرار والسلام في المنطقة.

وترامب ينسج «رؤيته البعيدة» بخطوات تبدو أحيانا متعارضة، وصولا إلى تحقيق ما يريد. ومن هنا، حينا يهجم وحينا يتراجع وأحيانا يضحك ويتجهّم، حسبما تقتضيه «الصفقة» وتوقيتها ومردودها الذي يبغيه.

ففي الحرب الروسية – الأوكرانية، ورّط «أوروبا الغربية» وأضعفها، وأضعف «روابطها» واستتبعها إلى القرار الأميركي. وبالمقابل أنهك «روسيا الإتحادية» وحجّم تطلّعها إلى دور أوسطي واسع، عبر البوابة السورية وتراجعها عن مساندة الرئيس السوري السابق بشار الأسد، ودفعها إلى «تطبيع العلاقات» مع الرئيس السوري أحمد الشرع وسوريا الجديدة، في سعي لحماية «الجمهوريات الإسلامية» من توغّل الحركات الإسلامية المتطرفة، وتنظيمات «الأخوان المسلمين»، والإحتفاظ بموقع شكلي في ميناء طرطوس ومطار حميميم، غير مضمون في دائرة مكوّن علوي، يرى أن موسكو تخلّت عنه في اعتقاده.

وهذه ناحية تلحظها واشنطن في حساباتها، بحيث تعتبر نفسها مستقبلا أنها تشكّل عنصر الحماية لهذا المكوّن، عندما يحين موعد إعادة تركيب السلطة في دولة مركزية، تشترك فيها كل المكوّنات والإتنيات.

في «الرؤية البعيدة» لترامب التفكيك وإعادة التركيب، هدفه تحجيم القوى الدولية الرئيسية التي أنجبتها الحرب العالمية الثانية، وخصوصا بعد انهيار الثنائية الدولية الأميركية-السوفياتية بسقوط الإتحاد السوفياتي. وهذه «الرؤية» تعني في ما تعنيه، تهميش هيئة الأمم المتحدة ومجلس الأمن واليونيسكو واليونيسف والأونروا والإتحاد الأوروبي ومجلس التعاون الخليجي، والهيمنة الكاملة على «الناتو» وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي، كما التحكّم بجمعيات المجتمع المدني والمضائق وأميركا اللاتينية والأحلاف القائمة والمستجدّة. أي أن هذه «الرؤية» تطمح إلى تكريس امبراطورية أميركية على مستوى العالم، عبر شركات متعددة الجنسية، وعبر سياسات الشراكات الاقتصادية والمالية العابرة للحدود وعبر «عولمة أميركية»، وتعميم اللغة الانكليزية وجعلها لغة العالم الديبلوماسي والتجاري.

لا شك أن هذه «الرؤية» تلقى اعتراضات كثيرة، ومقاومة أهم دولتين على مستوى العالم بعد الولايات المتحدة الأميركية هما الصين وروسيا ومعهما «أوروبا القديمة». وأما نقطة الإعتراض الأساسية فتتمثل بـ«الداخل الأميركي»، وتحديدا من الحزب الديموقراطي المعارض لترامب، ومن الذين يعترضون على الحرب الأميركية على ايران، ومن النزعة اليسارية المتزايدة في صفوف الشباب، ومن الشكوى من التضخم المالي وارتفاع الأسعار. كما أنه أساسا في نقطة الإعتراض هي ايران و«اسرائيل»، رغم التباين في هدف كل منهما.

ترامب يحاول تذليل الإعتراض الايراني عبر «صفقة التفاوض»، والأسلوب الديبلوماسي المصحوب بضغوط عسكرية ومالية وحصار بحري، مع تجنّب لحرب مفتوحة توسّع من دائرة اعتراض موسكو وبكين و«أوروبا القديمة».

وهذا ما يدفع الرئيس الأميركي نحو المزيد من المرونة المستقبلية في التعامل مع طهران، باتجاه تحييدها ورسم تفاهمات معها، تغلق الباب على ما يقلق سيد البيت الأبيض في احتمالات التعددية القطبية.

وتحييد ايران غير ممكن من دون العودة إلى «مذكرة التفاهم»، بتنازلات متبادلة وبقراءة مشتركة لكيفيّة معالجة التفاصيل والعقوبات، والأصول المالية وتخصيب اليورانيوم ودوائر النفوذ وحدوده.

أما الإعتراض المفاجئ لترامب فإنه يأتي من «اسرائيل» ومن حليفه في الحرب على ايران بنيامين نتنياهو، الذي يرفض هذه «الرؤية» في لبنان وسوريا وفي غزة. فنتنياهو يريد أن يكون «شريكا» لترامب. وهذه «الشراكة» لا تناسب المصلحة الأميركية، لأنها تستتبع إعاقة فعلية لـ«رؤيته».

ومن هنا، فإن المعالجة الأميركية لمعارضة نتنياهو تتطلّب وقتا، ذلك أن «اليمين الديني اليهودي» الحاكم لا يكتفي بمقاربة ترامب بـ«حفظ دولة اسرائيل» وإنما يجد الظرف مناسبا له في التوسع الجغرافي. وكل ذلك ينعكس حاليا في تصعيد عسكري وديبلوماسي اسرائيلي في الجنوب اللبناني وسوريا وغزة والضفة الغربية.

وهذا التصعيد هو إلى حين. فاسرائيل هي «صناعة غربية» وتحديدا أميركية، ولا تستطيع أن تعصى على إرادة من صنعها إلا بهامش ضيق من الزمن. ذلك أن ترامب لا يحتمل «صبرا طويلا» وفق ما كتبه في كتابه «فن الصفقة»، خصوصا أنه يعرف بأن موسكو وبكين في رهان على تورّط أميركي في حرب طويلة مع ايران.