اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

في 25 آذار 2026، صعد الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون إلى منبر الجمعية الشعبية العليا في بيونغيانغ، وأطلق تصريحًا يعد من أكثر مواقفه وضوحًا بشأن برنامجه النووي، قائلًا: "الواقع الراهن يثبت بوضوح شرعية قرارنا رفض الإغراءات الأميركية والتمسك بترسانتنا النووية إلى الأبد. وضعنا النووي بات لا رجعة فيه".

ورغم أنه لم يذكر إيران بالاسم، فإن سياق التصريحات بدا مرتبطًا بتطورات إقليمية ودولية، في وقت كانت فيه طهران تتعرض لضغوط عسكرية أميركية وإسرائيلية، ما اعتبره مراقبون فرصة استخدمها كيم لتعزيز حجته بشأن أهمية الردع النووي.

ويرى محللون في "معهد دراسات الحرب" (ISW) أن كيم جونغ أون لم يتابع الحرب في إيران كمراقب محايد، بل تعامل معها كـ"تلميذ" يستخلص دروسًا حول بقاء الأنظمة في ظل امتلاك السلاح النووي.

ويشير المعهد إلى أن تجارب العراق وليبيا، اللذين تخلّيا عن برامجهما النووية وتعرضا لاحقًا لتدخلات عسكرية، تقابلها حالة كوريا الشمالية التي طوّرت ترسانتها النووية وتجنبت حتى الآن أي عمل عسكري مباشر ضدها.

وبحسب التقديرات، نفذت بيونغ يانغ نحو سبع عمليات إطلاق لصواريخ باليستية منذ مطلع عام 2026، في إطار ما يُوصف باستراتيجية "الردع المفتوح"، الهادفة لإظهار أن امتلاك السلاح النووي يمثل الضمانة الأساسية لتفادي السيناريوهات التي واجهتها دول أخرى، ومنها إيران.

من جهته، قال الخبير في الجيوسياسية ومؤلف كتاب "كيم جونغ أون والقنبلة"، أنكيت باندا، في تصريحات لهيئة الإذاعة الكندية (CBC)، إن "كوريا الشمالية تمتلك ردعًا نوويًا متينًا، وأي هجوم عليها قد يتطور سريعًا إلى مواجهة بين قوتين نوويتين"، مضيفًا أنها "باتت أكثر تسليحًا مقارنة بما كانت عليه قبل سبع سنوات، حين انهارت المفاوضات مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب".

ولم يقتصر خطاب كيم الأخير خلال "المؤتمر التاسع للحزب" على التهديدات التقليدية، إذ كشف أيضًا عن خطة خمسية لتطوير ما وصفه بـ"الساق الثالثة" للثالوث النووي عبر الغواصات القادرة على إطلاق صواريخ باليستية (SSBNs).

وبحسب مجلة "جورج تاون للشؤون الدولية" التابعة لجامعة جورج تاون، فإن إدخال القدرات البحرية إلى منظومة الردع الكوري الشمالي يهدف إلى تشتيت أنظمة الدفاع الصاروخي الأميركية وحلفائها، ما يصعّب عملية رصد وتتبع منصات الإطلاق.

ويشير التقرير إلى أن هذا التطور التقني، المدعوم باحتمالات تعاون خبرات روسية وصينية، يرفع منسوب التحدي أمام إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في ظل استمرار سياسة "أميركا أولًا" التي تعتمدها واشنطن.

كما يشير الخبير في الشؤون الكورية، جيونغمين كيم، في تحليله لشبكة (DW) الألمانية، إلى أن بيونغ يانغ أدركت من "حرب إيران 2026" أن القوة التقليدية وحدها لا تكفي أمام التكنولوجيا الأميركية المتفوقة. 

ويضيف "لذا، يركز كيم جونغ أون الآن على دمج الذكاء الاصطناعي والحرب الإلكترونية في ترسانته، مستفيدًا من تجارب القوات الكورية الشمالية التي اكتسبت خبرات ميدانية في أوكرانيا، موضحًا أن هذا "الاندماج النووي الرقمي" يجعل من كوريا الشمالية تهديدًا أكثر تعقيدًا يتجاوز مجرد الصواريخ العابرة للقارات.


3 دروس عسكرية من العملية الأميركية

من جهته، يُقدّم موقع (38North) ، البارز في رصد الشأن الكوري الشمالي، تحليلًا دقيقًا لما استخلصه كيم من "عملية الغضب الملحمي" الأميركية الإسرائيلية ضد إيران.

أولًا: أنظمة الدفاع الصاروخي الأميركية كباتريوت وثاد إضافةً إلى أرو ومقلاع داوود الإسرائيليين، أثبتت فعاليةً عاليةً في الاشتباكات الفعلية.

وثانيًا: أي تعزيز عسكري أميركي إقليمي قد يكون مقدمةً لضربة، إذ سبقت هذه التعزيزات عمليات إيران في حزيران 2025 وفنزويلا في كانون الثاني 2026. وثالثًا: السيطرة الجوية فُقدت كليًا، حيث عملت القوات الجوية الأمريكية والإسرائيلية بحرية واسعة وبخسائر شبه معدومة.


لكن كيم يستخلص أيضًا ما يُطمئنه: أن الصواريخ الباليستية الإيرانية نجحت رغم الضربات في إيذاء القواعد الأميركية، وهذا يُعزّز قناعته بأن السلاح النووي وحده يضمن بقاءه حيث أخفقت كل الأدوات الأخرى.

وتقول راشيل مينيونغ لي من برنامج كوريا بمركز "ستيمسون": إن نزع السلاح النووي الكوري الشمالي بات "خارج طاولة النقاش"، وتُضيف: "إن كان ثمة أي احتمال لانخراط حقيقي بين البلدين قبل ما يجري في إيران، فقد ارتفع السقف كثيرًا. أي مفاوضات نووية مستقبلية باتت أصعب بكثير من أن تستأنف".

وأوضح كيم ذلك بنفسه بصريح العبارة أمام مؤتمر الحزب التاسع: أي مباحثات مستقبلية مشروطة باعتراف واشنطن بكوريا الشمالية دولة نووية، وهو شرط أعلن ترامب رفضه لكنه أبقى الباب مواربًا أمام استئناف الدبلوماسية الشخصية مع كيم.

وبحسب وكالة "يونهاب"، فإن بيونغ يانغ تراهن على أن انشغال واشنطن بإعادة إعمار الشرق الأوسط وتأمين مضيق هرمز قد يدفعها لقبول "تعايش نووي" مع كوريا الشمالية لتجنب انفجار جبهة ثانية في شرق آسيا

ومع ذلك، حذر وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو من أن واشنطن، رغم انفتاحها على الحوار، لن تتراجع عن مبدأ "نزع السلاح النووي الكامل"، ما يبقي المنطقة في حالة "صدام مؤجل".


الأكثر قراءة

هل تنجح مفاوضات واشنطن في ترجمة تفاهمات سويسرا؟ روبيو: لبنان خارج الاتفاق وغرفة عسكرية لمواكبة «الخلية الرباعية»