اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

 شارك وزير العدل عادل نصار، في أعمال المؤتمر العالمي التاسع لمناهضة عقوبة الإعدام الذي افتتحه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في العاصمة الفرنسية باريس، بمشاركة أكثر من 1500 شخصية من نحو 100 دولة وجنسية، من بينهم رؤساء دول ومسؤولون حكوميون ووزراء عدل وبرلمانيون وقضاة وخبراء قانونيون وممثلون عن منظمات دولية وحقوقية، في أكبر تجمع دولي مخصص لمناهضة عقوبة الإعدام وتعزيز منظومة حقوق الإنسان.

وجاءت مشاركة لبنان في هذا المؤتمر الدولي، بعد الخطوة التي اتخذتها الحكومة اللبنانية بإبداء موافقتها على اقتراح قانون إلغاء عقوبة الإعدام، والذي أقرته اللجان النيابية المختصة، بانتظار عرضه على الهيئة العامة لمجلس النواب.

وألقى الوزير نصار كلمة لبنان أمام المؤتمر، مؤكدا أن "قرار المضي في مسار إلغاء عقوبة الإعدام لا يأتي رغم الظروف الاستثنائية التي يمر بها لبنان، بل بسببها"، معتبرا أن "بلدا لم يتوقف فيه نزيف دم الأبرياء هو الأقدر على إدراك قيمة أن تمتنع الدولة عن سلب الحياة، وأن قوة الدولة لا تُقاس بقدرتها على القتل، بل بقدرتها على ترسيخ العدالة وصون الكرامة الإنسانية".

وقال: "كتب ألبير كامو يوماً: الإنسان الحقيقي هو من يعرف كيف يمتنع"، ونحن نجتمع اليوم لنقول إن الدولة أيضا تمتنع.

أضاف: "نحن نعم، نلغي عقوبة الإعدام في عالمٍ يكاد يعطش إلى الدم، ويسعى إلى ابتلاعنا، لكننا لسنا موسيقيي سفينة "تايتانيك". اسمحوا لي أن أستعير شعار مدينة باريس، لأنه يكاد يكون وصفاً للبنان أيضاً: "تتقاذفه الأمواج… لكنه لا يغرق"، مهما اشتدت العواصف، ومهما عصفت الرياح، فإن لبنان لن يغرق. لأن لبنان يرفض أن يغرق، اخترنا أن نلغي عقوبة الإعدام".

وتابع: "لم يعد ينبغي للقضاء اللبناني هو من يقرر إنهاء حياة إنسان، إن فظائع الحروب والإرهاب، وبشاعة الجرائم، لا سيما تلك المرتكبة بحق الأطفال وكبار السن، لا يمكن إلا أن تصدم ضمائرنا، لكن لا يجوز أن يُفهم إلغاء عقوبة الإعدام على أنه تساهل مع الجريمة، ولا أن يُفسَّر على أنه تسامح أو تهاون مع أفعال شنيعة، غالباً ما يكون ضحاياها أبرياء، فنحن لا نحمي المجرم، بل نحمي جمهوريتنا، جمهوريتنا لا تقتل، ولا تنتقم، وقضاتنا لن يعودوا أمام ذلك العبء الأخلاقي الذي لا يُحتمل: أن يقرروا موت إنسان، فالطبيعة الإنسانية نفسها تنحاز إلى إلغاء عقوبة الإعدام، ولا شيء أخطر على الإنسان من أن يتوهم أنه ارتفع فوق إنسانيته. قد يتوجب على القاضي أن يسمو فوق الأهواء ليحكم، لكنه يجب ألا ينسى يوماً أنه يحاكم إنساناً يشبهه".

وقال نصار: "لن تعيد عقوبة الإعدام الطمأنينة إلى عائلات الضحايا، فالموت لا يواسي أحداً، إنه يترك في الفم طعم الرماد، ولا يزيد الألم إلا مرارة، ولا أحد يخرج من مشاهدة تنفيذ حكم بالإعدام أكثر سلاماً، للضحايا الحق في الاعتراف بمعاناتهم، ولهم، قبل أي شيء، الحق في العدالة، والعدالة يجب أن تنبذ الموت، لا أن تستعين به. أقول هذا، فيما يكاد كل بيت لبناني يكون بيت ضحية. أقوله، فيما الدم لا يزال ينزف في وطني الصغير، وأقوله، لأن كل واحد منا عرف الموت العنيف، ولا يزال يجاوره، ذلك الموت الذي يجب ألا يسمح لنا بالاعتياد على الجريمة، فالموت العنيف ليس رقماً مجهولاً".

أضاف: "وراء كل ضحية عائلة يغمرها التيه، وتحمل حداداً لا ينتهي، وتعيش وحيدة وجع الغياب الذي فرضته الجريمة، وسيظل واجبنا أن نغضب مع كل جريمة ترتكب، وإلغاء عقوبة الإعدام لا ينبغي أن يخفف إدانتنا للجريمة، بل يجب أن يجعلها أكثر وضوحاً وحزماً. كما يجب أن يقترن دائماً بتعاطف لا يتزعزع مع الضحايا. وأقول هذا هنا، في باريس، بينما لا يزال لبنان بأسره ضحيةً في الشرق الأوسط. أقوله لأن لبنان دفع، ولا يزال يدفع، ثمن الهشاشة التي ترافق الديموقراطية والحرية والتعددية. وأقوله أيضاً لأن لبنان، مهما ارتفع هذا الثمن، لن يتخلى يوماً عن الديمقراطية، ولا عن الحرية، ولا عن التعددية".

وختم وزير العدل: "بإلغاء عقوبة الإعدام، فإننا، معكم جميعاً، نساهم في بناء سفينة النجاة التي ستحفظ، في مواجهة صعود الظلامية، المبادئ الكبرى والقيم التي نقلتها إلينا فرنسا، ولا تزال أوروبا تدافع عنها. سفينة ستبقى تتلقى ضربات الأمواج… لكنها لن تغرق".

الأكثر قراءة

بـري للـ«الديار»: أنا مستعد للتسـوية... إذا كـان الطـرف الآخـر مـستعداً